3 أغسطس 2023

من يخاف الشانزليزيه؟ ومن "يلحس" الواجهات فيه؟

كاتبة صحافية

كاتبة صحافية

من يخاف الشانزليزيه؟ ومن "يلحس" الواجهات فيه؟

طوله أقل من كيلومترين، وعرضه 70 متراً، لكنه دخل ذاكرة الثقافة الفرنسية ومنها تسرب إلى السياحة العالمية باعتباره أجمل شارع في العالم. إنه قبلة الزوار والمتسوقين والسهارى والفضوليين، وقد انضم إلى كل هؤلاء فريق من المتسولين والنشالين الذين كادوا يشوهون وجهه ويطردون العشاق منه؟ ما هي مشكلة «الشانزليزيه»

من يخاف الشانزليزيه؟ ومن "يلحس" الواجهات فيه؟

يطالع الباريسيون التعليمات التي تصدرها الشرطة، بين وقت وآخر، ولا يصدقون ما يسمعون.. إنها تنصحهم بتوخي الحذر عند اضطرارهم لارتياد جادة «الشانزليزيه». والقوم هنا لا يسمونها شارعاً بل جادة، أي أفينو، وهم لا يقصدونها إلا عند الضرورة، لحضور الاستعراض العسكري في العيد الوطني أو لمرافقة صديق جاء للسياحة. لماذا عليهم توخي الحذر؟ لأن النصابين والنشالين جعلوا من هذين الكيلومترين مرتعاً لنشاطهم، ناهيك عن المتسولين. وقد يسأل سائل: «هل في باريس مدينة الأنوار متسولون؟» والمقصود أن هذا الشارع هو موطن متاجر البضاعة الراقية والغالية... فماذا يأتي الفقير ليفعل وسط علية القوم الذين يصعب استخراج الفلس من جيوبهم؟

المتسول هنا، مثله مثل النشال، يستهدف السائح العربي، وبالذات الخليجي. وهو يتعرف إليه من سمرة بشرته. لهذا فقد حفظ المئات من الصبية والنساء المنتمين لغجر رومانيا عبارات من العربية تساعد على تحنين القلوب. وهناك من تربط رأسها وتجرجر وراءها طفلين وتحمل لافتة مكتوبة بالعربية تقول «أنا مشردة من سوريا»، وفي الحقيقة هي من غجر شرق أوروبا ولا تعرف موقع سوريا على الخريطة.

في الشانزليزيه.. نشالون من كل الأعمار

هناك في «الشانزليزيه» نشالون كباراً وصغاراً. الكبار يمدون أيديهم المدربة إلى الجيوب ويخطفون المحفظات. أما الصغار فإن رأسمالهم هو صغر سنهم، يمد يده ويسحب هاتفك الثمين الموضوع أمامك على منضدة مقهى الرصيف. وإذا كنت امرأة فإن من الصعب عليك مطاردته في الشارع والأزقة وسط جموع البشر. أما إذا كنت رياضياً وتمكنت من القبض عليه وتسليمه لأقرب دورية، فإن رجال الشرطة لا يملكون وضع القاصر في السجن بل يحتجزونه لساعات ثم يطلقون سراحه. إن هؤلاء المراهقين، وبينهم فتيات غجريات، لا يحملون هويات ولا أحد يعرف لهم عنواناً. ولدى سؤالهم عن الاسم فإن كل البنات يحفظن جواباً واحداً «اسمي ماريا».. والصبيان «اسمي جوني». وعند جدار الصمت ينتهي الاستجواب.

منذ سنوات وبلدية باريس تجتهد لمحاربة موجات النشالين. وقد بلغ من خطورة الظاهرة أن زعماء عصابات النشل باتوا يحفظون وجوه الشرطة حتى بالزي المدني، ومنهم من يعرف أوقات دوام المفوض فلان وساعات دورية الشرطي علان. ويقول أحد رجال الأمن المتمرسين بمطاردة النشالين في أنفاق المترو إن هؤلاء يحفظون نوع حذائه ويميزون وقع خطواته إذا سار يتتبعهم. ومنهم من يسلم عليه بالاسم ويطلب سيجارة.

من يخاف الشانزليزيه؟ ومن "يلحس" الواجهات فيه؟

إن سياح الألفية الثالثة ليسوا مغفلين. وهم اعتادوا على المتسولين في العديد من المدن الكبرى، كما تعلموا طرق الحذر من النشالين. لم تعد النقود توضع في الجيوب بل في محافظ مربوطة إلى الصدر أو حزام الخصر. وحتى النساء تركن حمل الحقيبة اليدوية وصرن يسافرن مع حقائب تعلق على الكتف وتلف حول الرقبة بشكل موارب بحيث يصعب انتزاعها من صاحبتها. مع هذا تجد في مركز شرطة الدائرة الثامنة من باريس طوابير صيفية لسياح جاءوا للتبليغ عن سرقة بطاقات ائتمانهم أو محافظهم وهواتفهم وجوازاتهم. وسرقة الجواز هي المشكلة التي تترك الضحية في رعب لأنه يشعر بنفسه ضائعاً في البلد الغريب، يسأل عن عنوان سفارة بلده ولا يعرف كيف سيتصرف وهو بدون هوية ولا نقود.

من يخاف الشانزليزيه؟ ومن "يلحس" الواجهات فيه؟

كل تلك السيناريوهات تبدو قديمة ومكررة في أعين زوار العاصمة الفرنسية. فالجديد هو الخوف من التظاهرات ومن أعمال العنف. وما زالت المشاهد التي نقلتها شاشات التلفزيون لتظاهرات أصحاب السترات الصفراء، عام 2019، في الأذهان. لقد اقتحم الموقع 10 آلاف متظاهر وسرعان ما تحول أجمل شارع في العالم إلى ساحة حرب. جرى تكسير الواجهات ونهب المتاجر ومحال الصاغة وتفجير أجهزة السحب الآلي وحرق المصارف ومقهى «الفوكيتس» الشهير بل وترويع الأهالي الأبرياء والمسنين الساكنين في المنطقة.

وهناك التظاهرات والحرائق الأخيرة التي أعقبت مقتل الفتى نائل قبل أسابيع، لكن «الشانزليزيه» نجا هذه المرة من التخريب بعد أن تحول إلى ثكنة عسكرية لحمايته من المتظاهرين ومن يستغلهم لتصفية حسابات سياسية. كما أن أصحاب المتاجر الراقية والمصارف صاروا يتحسبون لمثل تلك الحوادث ويستخدمون أبواباً وجدراناً حديدية مصفحة صنعت خصيصاً للصمود بوجه المهاجمين.

من يخاف الشانزليزيه؟ ومن "يلحس" الواجهات فيه؟

حاول المتظاهرون الغاضبون من مقتل المراهق الجزائري نائل برصاص رجل شرطة، أن يقتحموا «الشانزليزيه». إنه المكان الذي يحتوي على أغلى الطرائد من ساعات وهواتف وأحذية وحقائب ذات علامات عالمية. وتؤكد جان دوتيسير، عمدة الدائرة الثامنة التي يقع الشارع ضمن حدودها، أن نداءات ترددت في مواقع التواصل تحث على التجمع لمهاجمة «الشانزليزيه». إن الشارع ليس خزانة «الغنائم» الثمينة فحسب بل هو العنوان الأبرز لباريس وللسلطة الفرنسية. وإذا كان من الصعب إلحاق الأذى برموز أخرى مثل برج «إيفل» لأنه حديد في حديد، أو بكاتدرائية «نوتردام» لأنها محترقة أصلاً، فإن قلب باريس المالي والسياحي هو المستهدف هذه المرة.

من يخاف الشانزليزيه؟ ومن "يلحس" الواجهات فيه؟

قلب باريس.. الهدف دائماً في كل احتجاج

ولحماية الشارع، تحولت المنطقة الممتدة ما بين قوس النصر شمالاً، والمسلة المصرية جنوباً، إلى حصن عسكري. فقد كانت هناك حافلة شرطة «بوكس» ترابط أمام كل مصرف ومتجر كبير. كما أنه تم نشر فرق من أفراد الشرطة المدنيين على طول مقاهي الشارع ومطاعمه. وبهذا فإن حوادث النشل والاعتداء في «الشانزليزيه» تراجعت بنسبة 36 في المئة خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، قياساً بالفترة نفسها من العام الماضي. تم في عام 2019 تسجيل 48 حادثة سرقة باستخدام العنف في حين سجلت 19 حالة هذا العام.

في 13 من شهر مايو الماضي قتل رجل بالرصاص أمام أحد مطاعم شارع «واشنطن» القريب من «الشانزليزيه». لكن الحادثة كانت تصفية حسابات بين تجار مخدرات. ومن يومها ازداد عدد رجال الشرطة في الشوارع الجانبية وأمام الفنادق والمطاعم الفخمة، لاسيما أفراد وحدة مكافحة المخدرات والممنوعات. إن حضورهم يبعث الطمأنينة في نفوس التجار وبعضهم يذهب للحديث مع الشرطي وتوفير المساعدة له. لكن رجال الأمن في الغرب لا يقبلون دعوة من مواطن ولا فنجان قهوة ولا حتى سيجارة. ناهيك عن الرشوة.

كان من نتائج هذه الخطط الأمنية استعادة السياح إلى «الشانزليزيه». وبلغة الأرقام فإن عدد السياح ارتفع بنسبة 15 في المئة في غضون سنة. وفي الشهر الجاري كان يمكن إحصاء ما بين 200 ألف إلى 300 ألف متجول يتمشون على أرصفة الشارع العريضة. وهناك خطة لجذب مختلف فئات الناس إلى هذا الشارع بحيث يأخذ صبغة من التنوع بدل أن يبقى حكراً على الأثرياء. وتشمل الخطة زيادة الفعاليات الفنية والثقافية والمعارض فيه.

تتوقف فتاة مراهقة أمام المتجر الجديد لعطور «جيرلان» وتسأل والدتها «هل هذا فندق؟».. إن الواجهة الملونة مصممة بحيث تلفت كل الأنظار، وهناك سجادة حمراء فرشت للزوار بمناسبة تدشين المحل. لقد جاءت البنت من مدينة مونبلييه، جنوب فرنسا، مع شقيقتها ووالديها للسياحة في باريس. وهي المرة الأولى التي ترى فيها «الشانزليزيه» بعد أن سمعت عنه وشاهدته في الأفلام، وهذا ما يسمونه السياحة الداخلية، وهو من أبرز أهداف خطط تطوير الشارع وفتحه للعموم. صحيح أن الأسرة لم تمشِ على السجادة الحمراء ولم تدخل متجر «جيرلان» لكن البنتين أخذتا الصور أمام الواجهة الجميلة.

من يخاف الشانزليزيه؟ ومن "يلحس" الواجهات فيه؟

يفرك تجار الشارع أيديهم سروراً وهم يسمعون عن 800 ألف طائرة ستحط في مطارات باريس خلال الشهر الجاري. وهذا معناه المزيد من السياح. وجاء في دراسة قامت بها مؤسسة متخصصة في مراقبة توجهات المستهلكين أن كل متجر في «الشانزليزيه» يستقبل ما معدله مليون زائر يتوقفون أمام واجهته، كل شهر، مع ارتفاع في العدد خلال شهري الصيف وشهر أعياد الميلاد. وهناك تعبير فرنسي جميل يطلق على ما يقوم به الذين يتفرجون ولا يشترون، وهو «لحس الواجهات». ولحس الواجهات رياضة محببة لملايين الفتيات، وهن يتواعدن للقيام بها مثلما يتواعدن للذهاب إلى السينما.

يقف «الشانزليزيه» في طليعة شوارع السياحة والتسوق في أوروبا، وهو ينافس «كالفرشتات» في العاصمة الهولندية أمستردام و«جران فيا» في العاصمة الإسبانية مدريد و«فيا فينيتو» في روما. لكن العولمة لم تترك لأي شارع من هذه الشوارع خصوصيته. فأسماء متاجر البضائع الراقية هي ذاتها في كل العواصم والمدن الكبرى، تجدها في باريس مثلما تجدها في لندن ونيويورك ودبي. مع هذا يقول مارك أنطوان جاميه، رئيس جمعية أصدقاء «الشانزليزيه»، إن الشارع يعيش مرحلة من استعادة الروح. ومهما تشابهت المخازن ما بين «كارتييه» و«فويتون» و«آبل ستور» و«سيفورا»، فإن باريس تبقى مميزة بطابعها العريق والأنيق وبمقاهيها ذات الشهرة العالمية. صحيح أن المقاهي المعولمة مثل «كوستا» و«ستار باكس» موجودة في كل مكان لكن الزائر يجد نكهة فرنسية في «المادريجال» و«الفوكيتس» و«الدراجستور» و«جورج 5» و«كافيه دو لا بيه».

لقد أغلقت صالات سينما ومكتبات مثل «فيرجن» لكن هناك صالات ومسارح جديدة. كما تحول «الليدو» من مسرح استعراضي إلى ناد ليلي. أما متاجر العلامات الشهيرة في الأزياء فإنها تدفع الملايين للفوز بمساحة في «الشانزليزيه». هنا، في الشارع وتفرعاته، تجد جنباً إلى جنب كلاً من «بولغاري» و«شانيل» و«إيلي صعب» و«ديور» و«فويتون» وقريباً «سان لوران» ومجوهرات «مسيكة». إن «اللوكس»، أو الفخامة، هي مطلب العديد من السائحات، لاسيما الخليجيات واليابانيات. مع هذا تجاهد محلات الوجبات السريعة للحفاظ على موقعها في الشارع. إن الصغار يأتون إلى هنا ليأكلوا «الهمبرجر»، ولا أحد يخاف «الشانزليزيه».

 

مقالات ذات صلة