
الترابط الأسري يحافظ على وحدة أفراد الأسرة، ويعتبر مفتاح السعادة لهم، يجلب لهم التفاهم، والتودّد، والتكامل، لكن للأسف، كم من أسرة تفكّكت خلال العقود الأخيرة، وزادت بين أفرادها المشاحنات، ووقعت الخلافات، ما سبب آلاماً نفسية، وجروحاً عميقة، وأفرزت لنا ذريّة شبّت على الخصال السيئة من الكذب، والخداع، واستخدام العنف والعدوان كوسيلة للتفاهم.
خبراء العلاقات الأسرية يؤكدون، مراراً وتكراراً، أن صلاح المجتمع لا يأتي إلا بالترابط والتواصل الأسري، الفعاّل والإيجابي، بين الأسر الصغيرة، ويعتبرون أن الأسرة المفكّكة هي الخطر الحقيقي على مجتمعاتنا، في الآونة الأخيرة، ويرون أن الأجيال الجديدة في حاجة إلى برمجة حديثة تضخ فيها الأفكار الإيجابية، ويتّبعوا لغة الحوار السليم حتى تنشأ الألفة، وتقوم المودّة، وتستقيم العلاقة.
سألت «كل الأسرة» عدداً من هؤلاء الخبراء والاستشاريين حول علامات التفكّك الأسري، وأهم أسبابه، وكيف نتغلب عليه، ونعالجه حتى ينصلح الحال، وتستقيم الأمور، ويختفي القلق والكآبة، والخوف المستمر:

الأسرة المفككة.. مسؤولية من؟ ولماذا تفككت؟
بداية، يؤكد الدكتور ناصر زهران، استشاري الطب النفسي وخبير العلاقات الإنسانية، بالقاهرة، أن التفكّك الأسري من أخطر المشكلات التي تواجه مجتمعاتنا العربية، بخاصة مع التطور الذي شهدته هذه المجتمعات، خلال الآونة الأخيرة، حيث ظهرت مخاوف متعدّدة من التفكك الأسري، وتداعياته، وشاهدنا اتجاهاً محزناً لأسر مجهدة نتيجة الصراعات التي تدور بين أطرافها، إضافة إلى انقطاع التواصل، والجري وراء مطالب الحياة الحديثة.
ويقول «يجب ألّا نستهين، أبداً، بالتفكك الأسري، لأنه يؤدي إلى انهيار الروابط والعلاقات، القوية والمستدامة، بين أفراد الأسرة. وهنا يجب أن نبيّن أن التفكك يحدث بطريقتين:
- التفكك الأسري المباشر، إما بالانفصال، وإما الطلاق، وإما وفاة أحد الوالدين، وإما سفر الأب أو الأم لمدة طويلة.
- التفكك الأسري غير المباشر، والذي يتعلق بصعوبة التفاهم، والتواصل بين أفراد الأسرة، وهذا النوع هو الأخطر، ويكون له تأثير كبير في الأفراد، حيث يؤدي إلى الإجهاد العاطفي، ويهدّد الصحة العقلية، ويصيب الأفراد بالشعور بالوحدة، والعزلة.
ولكن التأثيرات تمتد إلى ما هو أبعد من حياة الأفراد، إذ يمكن أن يسهم تفكك الأسر في زيادة قضايا المجتمع، مثل الجريمة، وعدم الاستقرار، كما يؤثر في التنمية، ويضعف الاقتصاد، فبمجرد أن تضعف روابط الأسرة يتعرض نسيج المجتمع نفسه للخطر، لأن أمن المجتمعات مرتبط تماماً، باستقرار الأسر والأفراد.. والأسر المفككة أكثر عرضة للتهديدات، الداخلية والخارجية».
ويحدّد الدكتور ناصر زهران أهم مسبّبات التفكك الأسري في عدة نقاط:
1. تصيّد الأخطاء، وحدوث النزاعات المتكرّرة على كل صغيرة وكبيرة في أمور الحياة الزوجية، يمهّد الطريق لحصول التفكك الأسري، ويعقّد الأمور.
2. صراع الأدوار بين الزوجين وعدم التوفيق فيما بينهما، من أهم مسببات التفكك الأسري، حيث يتنافس الزوج والزوجة ليحل أحدهما مكان الآخر.
3. الكثير من الآباء ارتضوا لأنفسهم دور الأب الحاضر الغائب الذي يقضي معظم وقته خارج المنزل، ما يشكل العبء الكبير على زوجته التي تبدأ بالتذمر من المسؤوليات، وتشعر بأن الرجل الذي حلمت بأن يشاركها حياتها اليومية، بدأ يتبخر يوماً بعد يوم.
4. اتّباع الوالدين طريقة سلبية في التعامل مع أولادهما، تقوم على ضرورة الانصياع من قبل الأبناء للأوامر التي يصدرانها، من دون مناقشة، ويعتبران ذلك الأسلوب الأمثل للتربية.
5. ضغوط العمل والمتطلبات اليومية للأبناء جعلت الأبوين يهملان تربية وتوجيه أولادهما خلال رحلتهم في السعي من أجل توفير الحاجة.
6. وسائل التواصل الاجتماعي التي تستحوذ على كل الأوقات المتبقية خلال اليوم، فبدلاً من أن يستغل الجميع هذا الوقت للتواصل، يقيمون بين بعضهم بعضاً حواجز صنعتها العزلة.
7. النقد الدائم، أحد أهم المسبّبات لتدهور العلاقات داخل الأسرة، حيث يشعر الأبناء بالإحباط، والكآبة، وضعف الثقة بالنفس.
ومع كل هذا، لا يزال المستشار الأسري الدكتور ناصر زهران يرى أن هناك أملاً من خلال إعطاء أولوية للأسرة، وتعزيز التواصل المفتوح، وتخصيص وقت للعائلة، والاهتمام بمشاكل الأبناء، والبحث عن الدعم عند الحاجة، فكل هذا يمكّن الأسرة من التواصل من جديد.

علامات واضحة للتفكك.. لا تغفلوها؟
وتتفق معه الدكتورة شيماء عطية، الاستشارية الأسرية في الصحة النفسية وتعديل سلوك الأطفال والمراهقين، بالقاهرة، على أن نجاح الأسرة في تحقيق الترابط يتطلب وعي الزوجين بدورهما، ومسؤولياتهما المشتركة في حلّ المشكلات التي قد تواجههما، بخاصة أن الصراعات بين الوالدين تربك الأبناء، وتجعلهم غير قادرين على تقدير أهمية الترابط فيما بينهم، ولا حتى التمييز بين الصواب والخطأ.
وحول أبرز العلامات التي تدلّ على أن الأسرة مفككة:
- عندما يسود الصمت أرجاء البيت، ويغيب الحديث عن اجتماعاتهم اليومية، ولا يتواصل أفراد الأسرة معاً إلا في حدود المطلوب.
- عندما يكون الصراع والجدال والنقاش الحاد هي سيدة الموقف في كل الأحوال، ويغيب الحوار البنّاء، فالجميع لا يجد أرضية مشتركة للحوار، ولا سبيلاً للتفاهم.
- عندما يصبح الجميع لا يعرف بعضهم عن بعض سوى معلومات محدودة، لا يناقشون تفاصيل، ولا يلتفون حول مريض، ولا يؤازرون بعضهم بعضاً عندما تقع مشكلة.
- عندما يتلافى أفراد الأسرة الواحدة اللقاء، وكأنهم غرباء، ويتجنب الأبناء مواعيد الآباء، فلا يستيقظون صباحاً منعاً للاحتكاك، وأحياناً يتعمدون الغياب ليلاً، بأيّ حجج واهية.
- عندما لا يراعي كل طرف من أطراف العائلة مشاعر الطرف الآخر وكأنه يعيش بمفرده.
- عندما يغيب بعض الأفراد بشكل متكرر عن المائدة التي من المفترض أن تلم شمل العائلة، سواء كانت مائدة الغداء اليومية، أو مائدة الطعام الأسبوعية.
- عندما يجلس الجميع معاً، ولكن كل واحد منهم يحمل هاتفه بيده، ويعيش في عالمه، لا حوار، ولا ضحكات عالية، ولا قصص، ولا أيّ تواصل مباشر.

10 وصايا لزيادة الترابط وحماية الأسرة من التفكك
من جهتها، تقدم الخبيرة الأسرية الدكتورة أشجان نبيل، مجموعة من النصائح التي تحمي الأسرة من التفكك، وتساعد الأبوين على علاج التصدّع الأسري، ومن أهمها:
1. الحديث والحوار الفعّال والإيجابي بين أفراد الأسرة، بخاصة في الأوقات الجيدة التي تسمح بذلك، والالتزام بقواعد الحوار الأسري الناجح، في أن يكون الصوت منخفضاً، والكلمات إيجابية ومتبادلة، وبلا تصيّد للأخطاء، والأهم من كل هذا، أن يكون هناك احترام متبادل بين الزوجين، بلا أيّ تجاوزات.
2. تقدير الظروف، واستيعاب الأوقات الصعبة والتوتر الذي يعيش فيه البعض من دون أن نثقل عليه بالحديث، أو نوجه له اللوم، والعتاب.
3. التعبير عن الحب والمشاعر ليس أمراً من أمور الرفاهية، ولكنه المفتاح السحري للسعادة الأسرية، فهو الأداة التي تساعد الجميع على تحقيق الترابط، والالتحام.
4. توحيد الأهداف المتعلقة بتربية الأطفال لضمان استقرارهم النفسي والاجتماعي، حيث إن الطفل الحائر في التربية بين أبوين يتصارعان على توزيع الأدوار يعاني التأخر في بناء الشخصية والتحصيل الدراسي، وكذلك تكوين علاقات اجتماعية.
5. أن يضع الأبوان، بالاتفاق معاً، ومع الأبناء، ضوابط يلتزم بها الجميع في مسألة التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، والهواتف المحمولة، بخاصة في أوقات اللقاء الأسري، كأن يجعل وقتاً يومياً محدداً للحوار والنقاش لا يقطعه شيء، ولا يسمح فيه بتشغيل التلفاز، أو اصطحاب الجوالات والأجهزة اللوحية. ومهما كان هذا الوقت قصيراً، فإن تأثيره سيكون كبيراً على مستوى تحسين العلاقة داخل الأسرة، ولكن المهم ألّا ينقطع، وأن يكون الوالدان القدوة في ما تم الاتفاق عليه حتى يلتزم جميع أفراد الأسرة، ويحقق الاجتماع هدفه.
6. المرأة لا تختار زوجاً فقط، بل تختار أباً.. والزوج لا يختار زوجة فقط، بل يختار أمّاً أطفاله، فلا داعي للتخلي عن أدواركما، وأحسِنا الاختيار منذ البداية، وكذلك أحسنا تربية أولادكما، كي تفرزا للمجتمع أباً صالحاً، وأمّاً صالحة.
7. التنشئة يجب أن تعتمد أولاً على التربية الدينية، وعدم التخلي عن الأسس التي أقرتها في التربية، كي نحصّن بها الأبناء ضد كل ما يتعرضون له من انحرافات أخلاقية، وتجنب طرق الضلال، فما المانع من أن نصلّي معاً جماعة في المنزل، ونصوم معاً، ونفطر معاً، ونتناقش في معاني القرآن وقصص الأنبياء.. وكل هذه الأمور معاً؟
8. مشاركة الأبناء في هواياتهم وأحلامهم تُشعرهم قطعاً بأننا عون لهم، وسند في مسيرتهم، لذا يجب أن نحرص على بناء ذكريات جميلة معهم، تمكنهم من مواجهة الحياة بحصيلة من الحب والحنان، تعينهم على قسوة الحياة.
9. الأبناء هم امتداد لنا، لكنهم ليسوا أشباهنا تماماً، فلا ينبغي أن نفرض عليهم رغباتنا في نوع الرياضة، ونوع التعليم، والمجال الدراسي، والتخصص، فهناك من الأهل من يفسدون حياة أولادهم عندما يرسمون لهم طريقاً يريدون منهم أن يسيروا عليه، يختارون لهم طعامهم، ومدرستهم، ورياضتهم، وملابسهم، بل حتى أصدقاءهم، وشركاء حياتهم، حتى وإن كان كل هذا بدافع الحب.. يجب أن نكتفي بالنصيحة، والدعاء لهم بالتوفيق.
10. الاستعانة بالمتخصصين عند الحاجة لحل المشكلات العميقة، وهنا يجب أن نشعر أولاً بوجود المشكلات، وعدم التغافل عنها، والبحث عن الطريق الأمثل لحلها.
اقرأ أيضاً: التربية في عصر التواصل الاجتماعي.. آباء تائهون وأبناء مشتّتون