
كان أحمد علي القمش يقضي نحو 6 ساعات، يومياً، على هاتفه النقال، متنقلاً بين محادثات عبر خاصية التواصل، أو عبر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، ليدرك بعد فترة أن هذا الحال لا بد أن يتغير، ويتخذ القرار بمباشرة «ديتوكس رقمي».
وبالنسبة إليه، كان هذا القرار بمثابة «استراحة ضرورية لتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي في حياتي»، كما يقول، لافتاً إلى أن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية أكسبه وزناً زائداً، وأحدث خللاً في تواصله مع محيطه «ما دفعني إلى تقليل المشتتات، وتحديد وقت محدد للشاشات لا يتجاوز النصف ساعة إلى ساعة يومياً، وممارسة أنشطة بديلة، من أهمها الرياضة، وبالأخص أنني لاعب كرة قدم».

إعادة التواصل مع الأسرة والأصدقاء
اعتاد القمش هذا النمط من «الديتوكس الرقمي» منذ عامين، ما أحدث فرقاً هائلاً في حياته، يبيّن «لا أعتبر الابتعاد عن الأجهزة ووسائل التواصل الاجتماعي رفاهية، بقدر ما هو ضرورة للحفاظ على توازننا النفسي، وتعزيز علاقاتنا الاجتماعية، وتركيزنا وإنتاجيتنا أيضاً».
ويرصد آثار هذا الديتوكس في صحته النفسية والاجتماعية «زاد وعيي بالحاضر، وبأهمية الوقت وإدارته بالشكل الصحيح، كما استثماره بأنشطة تفاعلية مع أصدقائي، وأسرتي، وهذا ساعدني على تقدير اللحظات الجميلة في حياتنا الواقعية».

وشمل الصيام الرقمي الذي يطبّقه القمش «تقليل الوقت الذي يقضيه أمام شاشات الهواتف الذكية والحواسيب التي تستهلك وقتاً، وتؤثر في التركيز»، وتلمس الفرق «خلال هذين العامين من «الديتوكس الرقمي»، لاحظت تقدماً في الأنشطة التي أمارسها، من حيث إنقاص وزني، وتحسين أدائي في لعب كرة القدم، والالتزام بقراءة الكتب».
هذا التوجه انسحب على عائلته أيضاً «في الأيام العادية اعتادت أسرتي تطبيق «الديتوكس الرقمي»، من خلال تحديد يوم في الأسبوع، من دون استخدام شاشات الهاتف، عن طريق والدي الذي يجمع هواتف الأبناء حتى لا يستخدمونها لفترة محدّدة، ولتعزيز التواصل ما بيننا».

زيادة التركيز والإنتاجية
تجربة مروة السنهوري، إعلامية، ليست مختلفة حيث «زيادة الإنتاجية في العمل، وزيادة التركيز، والقدرة على الاستمتاع بأصغر التفاصيل»، كما تؤكد. فالديتوكس شكّل حياة أخرى للسنهوري التي التحقت بدورة تعليمية مكثفة على يد مدرب يوغا الضحك الإماراتي «ناصر الريامي»، لتساعد الناس عبر الضحك، على التخلص من التوتر والقلق، ونالت عام 2019 رخصة أول مدربة معتمدة سودانية لهذا النوع من العلاج الفريد من نوعه.
توضح «هذه الدورة أطلّت بي على عوالم التماس مع أنفسنا، حيث أن يوغا الضحك هو أسلوب علاجي جديد مبتكر، كما أتاح لي تقليل مشتتات التركيز على هذا النوع من اليوغا بحيث «لا يحتاج إلى لياقة بدنية، أو وزن معين، ويمكن لأي شخص أن يمارسه، لاسيّما من يعاني ضغوطاً يومية متزايدة».

وتروي السنهوري «أول مرة سمعت بمصطلح «الديتوكس الرقمي» كان من مدربة التنمية البشرية، ولاء الشحي، حيث تعرفت إلى المصطلح منها، وبدأت تطبيقه في رمضان، ما قلّل التشويش الناتج عن متابعة مواقع التواصل الاجتماعي. وفي الأيام العادية بتّ أمتنع عن استخدام الهاتف بعد الساعة الثامنة ليلاً، حتى أنعم بنوم هادئ».
كما تعلمت السنهوري تقنيات الاسترخاء عبر الضحك «تعتمد هذه التقنيات على تدريبات بسيطة ومدروسة، ولا تتطلب الكثير من التجهيزات، وتلامس الجسد والروح في آن واحد، وساعدني كثير من اليوغا على التخلص من التوتر الرقمي الذي يحيط بنا من كل صوب»، مطالبة المدارس بنشر ثقافة «الديتوكس الرقمي» بين أبناء الجيل الجديد، لحمايتهم من أضرار التكنولوجيا.

السموم الرقمية وتأثيرها في جهازنا العصبي
ومن خلال رصد بعض التجارب يتكشف أن التخلص من السموم الرقمية يترك آثاراً نفسية واجتماعية إيجابية في واقع الفرد، وحياته، وحتى في محيطه كما في جهازه العصبي، وتقليل التوتر والقلق في عالم أصبح التعرض المفرط للأجهزة تحدياً حقيقياً، يؤثر في صحة أدمغتنا.
ويرصد الدكتور أحمد عبيد، اختصاصي في قسم الأمراض العصبية -مستشفى ميدكير بالشارقة، تأثير الاستخدام المفرط للتقنيات الرقمية في جهازنا العصبي «يمكن أن يؤدي الاستخدام المفرط للتكنولوجيا إلى تعديل بنية الدماغ ووظيفته، ما يؤدي إلى تغيير الروابط العصبية، وضعف القدرة المعرفية. علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي الإفراط في استخدام التكنولوجيا إلى تغيير الإيقاعات الطبيعية للدماغ، ما يتسبب باضطرابات النوم، والإرهاق».
ويوضح «للتكنولوجيا تأثير سلبي في صحتنا العقلية أيضاً، حيث إنّ استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ، على سبيل المثال، مرتبط بزيادة الاكتئاب، والقلق، والوحدة. علاوة على ذلك، قد يؤدي التحفيز المستمر للتكنولوجيا إلى الإدمان، ما يجعلنا غير قادرين على الانفصال عن أجهزتنا».

استراتيجيات للتخلص من السموم الرقمية
ولذلك، فإنّ التخلص من السموم الرقمية يحقق الرفاهية النفسية للفرد. يشرح د.أحمد عبيد أبعاد ذلك «إن الابتعاد عن ضجيج الإشعارات المستمر يتيح لعقلك إعادة الشحن، ما يعزز التركيز، والإبداع، وقدرات حلّ المشكلات. فالوقت الذي تقضيه في وضع عدم الاتصال بالإنترنت يسمح بتكوين علاقات حقيقية مع أحبّائك، خالية من الاضطرابات المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني، كما يؤدي قطع الاتصال أثناء التخلص من السموم الرقمية إلى تقليل مستويات الكورتيزول، ما يقلل من استجابة الإجهاد الفسيولوجي المرتبط بالمقارنات الاجتماعية السلبية. ويمكن أن تسبب المقارنات الاجتماعية مشاعر عدم الكفاءة أو التعاسة. ويمكن أن يساعد التخلص من السموم الرقمية أيضاً على منع إدمان الأجهزة، ويساعدك على التواجد في الواقع».

وإذ لا يمكن لأيّ شخص أن يعيش أسلوب حياة خالياً تماماً من التكنولوجيا، في الوقت الحاضر، ولتحقيق رفاهيتنا الرقمية بتوازن وتقليل الآثار الضارة للوقت المفرط على الشاشة، والحمل الرقمي الزائد، والتخلص من السموم الرقمية...
يدعونا د. أحمد عبيد إلى أن نتبنّى نهجاً دقيقاً، ومتوازناً، واتّباع هذه الإرشادات:
- خطّط لفترات راحة منتظمة بعيداً عن الشاشة أثناء ساعات العمل.
- قلّل، أو قيّد التطبيقات والإشعارات غير المهمة.
- حدّد أياماً وأماكن خالية من الشاشة في منزلك لقطع الاتصال بأجهزتك.*انخرط في أنشطة وهوايات شخصية خالية من الشاشة أثناء إجازتك.

دور الخوارزميات في إدمان الأجهزة
مع ذلك، من الضروري الاعتراف بأنه بات من الصعب الابتعاد عن أجهزتنا، وهذا يتماهى مع دور الخوارزميات في تعزيز الإدمان الرقمي. وفي هذا الصدد، يؤكد نور الأسدي، المدير التنفيذي لشركة لسان للذكاء الاصطناعي، أن هدف الخوارزميات يتركز على أن يصرف الفرد أكبر وقت ممكن على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى التطبيقات، من «فيسبوك» و«إنستغرام» وغيرهما، بهدف جذب أكبر قدر من الإعلانات.
إلى جانب ذلك، فإنّ الخوارزميات تقدم «نماذج اقتراح» للمحتوى، ويضرب الأسدي مثالاً «في حال كنت مهتماً بمواضيع الصحة، وكنت تشاهد بعض الفيديوهات في هذا الخصوص، وبالأخص إذا شاهدت المقطع كاملاً، فإنّ الخوارزميات تبدأ تقترح عليك محتوى يتمحور حول مواضيع الصحة، بما يتماهى مع مجال بحثك، ما يسبّب لدينا حالة إدمان».
ويلفت إلى أن وسائل الضبط الأبوي تعجز عن التحكم في هذا الوضع «فكلما كان العمر أصغر، كلما كان التأثير أكبر وأعمق، وبالأخص أن بعض المنصات، ومنها «إنستغرام»، تسبب الكآبة في استعراضها للنمط المثالي لحيوات الآخرين، بحيث يتشارك المؤثرون أفضل اللحظات من حياتهم، والتغاضي عن جوانب مظلمة من حياتهم، حتى ليفكر المرء أن كل حياتهم وردية».

حِيل تساعدنا على الرفاهية الرقمية
ولكن كيف السبيل للتحكم في الأجهزة وإنجاح «الديتوكس الرقمي»؟
يورد الخبير الأسدي بعض الاستراتيجيات لتفعيل الصيام الرقمي:
- محاولة ضبط المحتوى عبر عدم التفاعل مع المحتوى الذي يضيّع الوقت، ما يحدّ من محاكاة الخوارزميات للمقترحات التي تهمك.
- التبليغ عن أيّ محتوى لا نرغب فيه، كرسالة للخوارزميات بعدم فرض محتوى لا أرغب فيه، ويهدر وقتي.
- ضبط أول خمس ثوان من مشاهدة أيّ فيديو، حيث إن استكمال الفيديو قد يكون «الطعم» لاقتراح فيديوهات مشابهة.
- استخدام تطبيقات تضبط وقت مشاهدة وسائل التواصل الاجتماعي، وتقوم بعمل «بلوك» عند انتهاء الوقت المحدّد.
- تشجيع الاستخدام الواعي للتكنولوجيا وتعزيز الوعي الرقمي عبر الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتخصيص إعدادات الجهاز، وتقليل الإشعارات، والمشتتات، خلال فترة محدّدة.

منتجعات للرفاهية الشاملة والتغيير الإيجابي
بعض المنتجعات في العالم، وفي الدول العربية، تتماشى مع واقع البحث عن الرفاهية النفسية، حيث تقدم خدمات تبعد المرء عن مصادر توتره، أو تشتته. على سبيل المثال، يبرز منتجع زلال للعافية في قطر، كمنتجع رائد يمزج بين الطب العربي والإسلامي التقليدي، وفلسفة الصحة والرفاهية الشاملة، لإعادة ضبط نمط الحياة الصحية الغامرة، وإلهام التغييرات الإيجابية، والمستدامة في حياة الفرد. وكذلك تتوافر في دولة الإمارات عدّة منتجعات تواكب الصيام الرقمي كوسيلة لتعزيز الرفاه النفسي، ومنها منتجع زويا للصحة والعافية في عجمان، الذي يقدم برامج للتخلص من السموم والصيام العلاجي، وتقديم خدمات شتى تدعم صحة ورفاهية الفرد، وعلى رأسها الابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية، وضغوط الحياة اليومية.