28 يناير 2025

إنعام كجه جي تكتب: صديقتي ثنائية القطب

صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس

مجلة كل الأسرة

تعرّفت إلى سامية، وجهاً لوجه، بعد صداقة «فيسبوكيّة» امتدت لثلاث سنوات. كانت صفحتها في موقع التواصل تعكس شخصية شابة متدفقة المشاعر، مقبلة على الحياة. ورغم فارق العمر بيننا فإنني تمنّيت، أحياناً، لو كانت لي جرأتها.

تنشر سامية صورها وقد استيقظت توّاً من النوم. لا تهتم إن كان شعرها مُسرّحاً، أو في فوضى كارثية. تكتب ما يخطر على بالها من دون اعتبار للحساسيات، والتعقيدات. ترتدي ثياباً من صنع يديها، أو لنقل إنها بارعة في تحويل فساتين والدتها القديمة، والباقي من قُصاصات القماش، إلى ملابس، وتنورات، وسراويل شبابية. تعشق سامية الألوان المتداخلة، ولم تتورع، يوماً، من نشر صورة لها وهي ببدلة المهرّجين متعدّدة الألوان. أخضر ربيعي، مع أصفر فاقع، وأحمر ناري، وقرمزي «يُزغلل» البصر.

ذات يوم قريب، كتبت لي سامية رسالة على الخاص، ورددْتُ على رسالتها. اتفقنا أن تزورني في بيتي لتكون صداقتنا حقيقية. سمعت رنين الجرس، وفتحت الباب ووجدتها كما توقعت. قصيرة قليلاً، تميل إلى الامتلاء، ولا تخجل من تضاريسها. كانت في سِن ابنتي التي تقيم بعيدة عني. فتحتُ ذراعيّ واحتضنتها بكل محبة. كنت سعيدة بلقاء صديقتي الصغيرة التي تملأ مواقع التواصل بهجة، وحبوراً، وأفكاراً مجنونة.

جئت بالقهوة، وبدأنا نتحدث من دون حواجز السّن، أو اللياقات. رفعتُ الكلفة بيننا، وصارحتها برأيي فيها. قلت لها إنها مخلوقة مجنونة. كنت أضحك، وكانت تضحك معي، وهي تخبرني أنها مجنونة فعلاً، تعاني مرضاً عصبياً، وقد دخلت مصحّة نفسية للعلاج، أكثر من مرة، بعد أن حاولت الانتحار.

تصوّرتها تمزح، لكنها كانت صادقة. كيف يمكن لشابة عاشقة للحياة أن تفكر في وضع حدٍّ لحياتها؟

عرفت من سامية أنها مصابة بمرض ثنائية القطب، وهو ما لم أسمع به من قبل. تصحو في الصباح وهي «هادية ورائقة»، ومقبلة على نهار جميل، تحتضن والدتها، وتقبّل رأس أبيها، وتكون عال العال. ثم فجأة، بعد ساعات، تتحوّل إلى شخص كئيب يخاف من ظله، ومن العتمة، ومن هواجس ليست موجودة سوى في رأسه.

يا عيني عليك يا سامية. هل هو مرض الشيزوفرينيا؟ أي أن تكون للمرء شخصيتان مختلفتان؟ تقول لي إنه داء لا علاقة له بذلك المرض، ويمكن أن يكون وراثياً. وبسببه قرّرت الابتعاد عن خطيبها، رغم أنه يحبّها، ويبدو مستعداً لقبول حالتها. انفصلت عنه لأنها تشفق عليه من هواجسها. فهي تعشق الأطفال، وتقضي وقتاً طويلاً مع أبناء شقيقاتها وأشقائها، لكنها لا تريد أن تنجب طفلاً.

لماذا؟ تستغرب من سؤالي، وتجيب بأنها لا تملك الشجاعة لتحمّل مسؤولية ولد، أو بنت، من صلبها، لا اعتماد له إلا عليها.

في نوبات مرضها تتملّك سامية قدرة فائقة على التواصل مع الآخرين. تتكلم من دون توقف، وتتنقل من موضوع لآخر بسرعة تجعل من الصعب اللحاق بكلامها، أو مجاراتها فيه. ثم فجأة، ورغم حيويتها الشديدة، تنتابها نوبات من النعاس المفاجئ.

لن أتمادى في شرح أعراض المرض، وطرق علاجه، فذلك يحتاج إلى مقال آخر، لكنني أشعر بالتقصير لجهلي به، وبالكثير من الأمراض التي تعذّب «البني آدميّين». كيف لم أنتبه إلى معاناة صديقة أتابع منشوراتها منذ ثلاث سنوات، وأترك لها علامات إعجاب، وتضامن، وقهقهات؟