13 مارس 2025

بعد الشك والخلافات.. خطوات عملية لإعادة بناء الثقة بين الزوجين

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

هل يمكن إعادة الثقة بين الزوجين بعد خلافات كبيرة وعميقة؟ ومتى يصبح التسامح ممكناً، ومتى يكون الانفصال هو الحل الأجدى؟

أسئلة تطلّ بنا على أسس بناء الثقة، وآلياتها، وبالأخص بعد خيانة أحد الطرفين، حيث تهتز الثقة، ويشعر الزوجان بتفكك العلاقة، ما قد يؤدي إلى العديد من التحدّيات، النفسية والعاطفية. فاستعادة الثقة ليست مهمة مستحيلة في حال تبدّت الرغبة في إصلاح العلاقة الزوجية، وإن تطلب ذلك جهداً، ووقتاً، وإرادة في البناء على أسس صلبة.

وفي هذا الصدد، نتطرق إلى أهم الخطوات الواجب اتّباعها بين الأزواج والتي يمكن أن تساعد على استعادة الثقة بعد الأزمات الزوجية، وتجنب الوقوع في الأخطاء نفسها في المستقبل.

علياء البحري
علياء البحري

تشبّه علياء البحري، استشارية الإرشاد النفسي في مركز الياسمين للتدريب، الثقة بين الزوجين بالزجاج «قد تتعرض هذه الثقة للشرخ بعد الخلافات العميقة، لكنها ليست مستحيلة الإصلاح، بل تحتاج إلى الوقت، والجهد، والإرادة الصادقة من الطرفين».

أولى خطوات إعادة بناء الثقة

تورد علياء البحري أنّه «في حالات الخيانة، أو الخلافات التي تهز الثقة، يبدأ الشريك المجروح بتجربة مشاعر من الألم الشديد، والاضطراب النفسي»..

ولذلك من أهم الخطوات التي يمكن اتّباعها في هذه الحالة:

  • الاعتراف الصادق بالمشكلة: يجب على الطرف المخطئ أن يتحمل مسؤولية أفعاله من دون تبرير، أو إنكار.
  • إعطاء مساحة للتعبير عن المشاعر: لا يمكن إصلاح الجرح بسرعة، بل يجب السماح للطرف المتألم بتفريغ مشاعره، من دون الاستعجال في فرض الحلول.
  • التواصل الصادق والشفاف: لا بدّ من نقاش عميق وصادق حول الأسباب التي أدت إلى الخلاف، مع التزام الطرف المخطئ بالوضوح في نواياه المستقبلية.
  • إظهار التغيير الفعلي: لا يكفي الاعتذار، بل يجب أن يرى الطرف المجروح تغييرات حقيقية في السلوك تدلّ على الالتزام بإصلاح العلاقة.
  • طلب المساعدة عند الحاجة: أحياناً، يكون اللجوء إلى مستشار نفسي، أو مرشد أسري، ضرورة لإعادة بناء الجسور بين الطرفين.
مجلة كل الأسرة

التسامح.. متى يصبح ممكناً؟

وتبقى هذه الخطوات مرهونة بمدى تلمّس التغيير الفعلي من قبل الطرف الآخر، ويطرح السؤال حول حدود التسامح بين الزوجين ليكون البناء على أسس قوية وليست هشة.

وتؤكد علياء البحري أن التسامح هو عملية تفهّم وتوازن بين الرحمة والعدالة «التسامح لا يعني التغاضي عن الأخطاء بلا حساب، بل إيجاد توازن بين الرحمة والعدالة»، وتوضح «من منظور نفسي وشرعي، التسامح يكون مقبولًا إذا كان الطرف المخطئ صادقاً في التغيير، وأثبت ذلك بأفعاله، وليس بكلماته فقط. فالتسامح لا يعني فقدان الكرامة، بل هو قرار واعٍ يُبنى على معايير، مثل قدرة الطرف المجروح على المضي قدماً من دون شعور دائم بالظلم، وفي الوقت نفسه يدعو ديننا الإسلامي الحنيف إلى العفو، لكنه لا يفرضه، بخاصة إذا كانت الخيانة، أو التجاوزات متكرّرة، من دون نية حقيقية للإصلاح».

وإذ تتردّد المقولة الشائعة إن «المرأة تتناسى ولا تنسى، بينما الرجل ينسى ولا يسامح»، فإن الاستشارية علياء البحري لا تعتبرها قاعدة ثابتة. تشرح «هذه المقولة تعكس جانباً من الاختلافات النفسية بين الجنسين، لكنها ليست قاعدة مطلقة. فالمرأة تميل إلى تذكّر التفاصيل العاطفية أكثر من الرجل، لذا قد تحتاج إلى وقت أطول لتجاوز الألم، حتى لو اختارت البقاء في العلاقة، في حين أن الرجل قد يبدو أكثر نسياناً، لكنه قد يجد صعوبة في مسامحة الخيانة، لأنها تمسّ صورته الذاتية، وثقته بنفسه، وهذه الفروقات تؤثر في استعادة الثقة؛ لذلك من المهم أن يفهم كل طرف طبيعة الآخر، ويتواصل معه بأسلوب يناسب مشاعره، واحتياجاته العاطفية».

كيف نتغلب على الشك بعد الخلافات؟

قد يدمّر الشك المستمر العلاقة بعد محاولات الإصلاح، تعلّق علياء البحري «إذا استمر الشك بعد محاولة الإصلاح، فإنه يصبح عائقاً أمام التعافي، لذا يمكن التعامل معه بـ:

  • عدم المبالغة في البحث عن الأدلّة، لأن ذلك يزيد من التوتر ويضعف العلاقة بدلاً من إصلاحها.
  • إعادة بناء الأمان العاطفي تدريجياً، من خلال الالتزام بالوعود، وتعزيز الصدق والشفافية في التعامل اليومي.
  • استخدام القيم الإسلامية، مثل حسن الظن والصبر: الصبر لا يعني التحمل السلبي، بل منح العلاقة فرصة حقيقية للنمو بعد الأزمة. وحسن الظن لا يعني السذاجة، بل اختيار التفكير الإيجابي عندما تدعم الأفعال ذلك.
  • وضع حدود صحية: على الطرف المخطئ أن يكون مستعداً لتحمّل مسؤولية إعادة بناء الثقة، حتى لو تطلب ذلك إجراءات مثل زيادة الوضوح في التعامل لفترة معينة».

متى يكون الانفصال هو الحل الأنسب؟

تلفت علياء البحري إلى أنّه «في بعض الحالات، يكون الانفصال أفضل من البقاء في علاقة مملوءة بالشك والانكسار».

ومن أهم المؤشرات التي تدل على ضرورة الانفصال:

  • تكرار الخيانة أو التجاوزات من دون ندم حقيقي.
  • عدم قدرة الطرف المجروح على تجاوز الألم رغم كل المحاولات، ما يؤثر في صحته النفسية.
  • تحوّل العلاقة إلى ساحة صراع دائم بدلاً من أن تكون مصدر أمان وراحة.
  • غياب الاحترام والتقدير المتبادل، لأن الثقة لا يمكن أن تعيش في بيئة مشحونة بالإهانة، والشك المستمر.
مجلة كل الأسرة

خطوات عملية لإعادة بناء الثقة وتجنب فقدانها مستقبلاً

ولتجنب تكرار الأخطاء نفسها، وإعادة بناء الثقة على أسس صلبة، ينبغي على الزوجين اتّباع بعض الاستراتيجيات اليومية، توردها علياء البحري:

  • التواصل الفعّال: تخصيص وقت للحوار الصادق بعيداً عن التوتر.
  • إظهار التقدير بشكل يومي: سواء بالكلمات أو الأفعال الصغيرة التي تعزز الأمان العاطفي.
  • الشفافية في التصرفات: بخاصة بعد الخلافات، ليشعر الطرف المجروح بأن العلاقة تسير نحو الأفضل.
  • التعلم من الأخطاء: عدم تكرار الأخطاء نفسها التي أدت للخلاف، والسعي لإرساء حلول جذرية.
  • الاهتمام بالجانب الروحي: مثل الدعاء المشترك، والاستفادة من القيم الإسلامية التي تدعو إلى حسن المعاملة.

وتوجز «إعادة بناء الثقة بعد الأزمات الزوجية ليست أمراً سهلاً، لكنها ليست مستحيلة. فعندما تكون هناك نية صادقة من الطرفين، وإرادة للتغيير، فإن العلاقة يمكن أن تعود أقوى مما كانت، إذا تمّ البناء من جديد على أسس صلبة من الصدق، والتفاهم، والحب، ولكن الأهم المهم هو الصبر، والعمل المشترك على ترميم ما تهدّم، لأن الحب وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى أفعال تثبته في الواقع».

صفحة استشارية الإرشاد النفسي علياء البحري