لورنس بوكوليني
ليس من الشائع رؤية مذيعة بدينة في التلفزيون الفرنسي. إن مقدمات البرامج وقارئات نشرات الأخبار مختارات بعناية. والجمال هو الشرط الأول. بعده تأتي الموهبة، والمؤهّلات الدراسية، وحسن التدريب. وفي فترة ليست بعيدة كانت كل المذيعات بيضاوات، شقراوات، رشيقات، مثل تلك الدمية الشهيرة التي تعرفونها.
ثارت الجمعيات النسائية ضد التنميط الجمالي الذي يتّبعه المسؤولون عن الشاشة الصغيرة. كانت وجهة النظر هي أن المذيعة الشقراء لا تمثل كل المجتمع. فهناك في الشارع آلاف العربيات السمراوات، والإفريقيات السوداوات. وبينهنّ من تحمل شهادة في الصحافة المرئية، ومن حقها أن تجد فرصتها في التلفزيون. وهكذا تسللت الملوّنات إلى الشاشة، على استحياء، ووسط تغطية إعلامية واسعة، كأن الشاشة الصغيرة استوردت كائناً من القمر.
ما هو أصعب من لون البشرة هو وزن المذيعة. فهناك فكرة سائدة تقول إن الشاشة تحب الأحجام الصغيرة، لأن الكاميرات تتولى تضخيم من يقف أمامها. ولا أدري إن كانت هذه الفكرة صحيحة، أم مجرّد عذر، لكنني أتذكّر الدهشة القومية التي عمّت البلاد يوم ظهور لورنس بوكوليني على الشاشة لتقديم واحد من برامج المسابقات. إنها بيضاء، نعم. شقراء، نعم. جميلة وتجيد الحديث، نعم. لكن وزنها يفوق المئة.
والأدهى من ذلك، أنهم اختاروا لها أصعب برنامج يمكن للمرء أن يقدّمه، اسمه «الحلقة الأضعف». كان عليها أن تبقى متجهمة، صفيقة في تعاملها مع المتسابقين، حادّة في نظراتها وعباراتها، لا تتورّع عن السخرية من الفاشل وطرده من المكان، وتوديعه بنظرة انتصار، وهي تراه غارقاً في عرقه. أين تربّت هذه المرأة لتكون بهذه القسوة؟ كنا نعرف أن فكرة البرنامج مستوردة من الخارج، وأن لورنس مكلّفة بنسخها في نسخة فرنسية. كانت تقف وسط دائرة المتسابقين بكل ثقلها، مثل مصارع «سومو» ينازل خصمه بكرش كبير، ويدفعه خارج الحلبة.
في الكتاب الجديد الذي تروي فيه سيرتها تكتب لورنس أن فئة من المشاهدين صدّقت أنها بلا قلب. لم يستوعب المتفرجون أنها تؤدي دوراً مرسوماً لها. وتقول إنها كانت تتلقى رسائل مملوءة بالشتائم. بل وصل الأمر أن أحد أصحاب المطاعم حاول تسميمها من خلال مادة وضعها لها في فنجان القهوة. وقد حلّت ضيفة على أحد البرامج الشهيرة، وتطاول عليها مقدم البرنامج بشكل مهين. كان يريد أن يحقق حلقة جذابة تتحدث عنها الصحافة في الصباح التالي. لكنها تحمّلت، وتركت الزوبعة تمرّ. وتضيف: «كنت في بداياتي، ولو حصلت تلك الواقعة اليوم لنهضت من مكاني وتوجهت نحو مقدم البرنامج وسدّدت له لكمة تعلّمه التهذيب».
لم يتوقع أحد لها النجاح، ولا الاستمرار. لكن لورنس بوكوليني ما زالت حاضرة على الشاشة بكامل وزنها. تنقلت بين القنوات، وكانت مطلوبة حيثما حلّت. كما صارت لها برامجها في الإذاعة. ينتهي برنامج فتبدأ آخر. وقد تمكنت من أن تعقد صداقة مع المشاهدين، وأن تصبح من الوجوه المألوفة. بل إن أسلوبها في اختيار ثيابها الفضفاضة صار متبعاً بين النساء البدينات، وكذلك تسريحة شعرها القصير.
أمس، أعلنت لورنس أنها مصابة بورم في الأذن. وأن الأطباء طمأنوها بأنه ورم حميد، لكنهم أخبروها صعوبة استئصاله. هناك خطر من أن تمسّ العملية حبال الصوت، أو أن تشلّ عصب الوجه. وبهذا، سيكون عليها أن تعيش مع ذلك الطنين الذي يزنّ في رأسها في أغلب الأوقات. ونحن نعرف أن المذيع يحمل في أذنه سماعة صغيرة يتلقى من خلالها توجيهات فريق العمل. كيف ستتلقى الأذن المريضة تعليمات مخرج البرنامج؟
دخلت لورنس التلفزيون وهي دون الثلاثين، وهي تبلغ اليوم الحادية والستين. تكشف في كتابها أنها كانت في السابعة عشرة عندما دخلت الإذاعة كعاملة هاتف. كانت تتلقى المكالمات وتحوّلها إلى المذيعين. ومن لوحة التلفونات تسلّلت إلى تقديم برنامج إذاعي عن الموسيقى كان يبث ليلاً. أي لمن بقي ساهراً من المستمعين، أو متأرقاً. بعد ذلك شقت طريقها في المهنة. ولها اليوم برنامجان في القناة الرسمية. لكنها مثل كل العاملين في الواجهة الإعلامية تخشى أن تفقد عملها قبل بلوغها سِن التقاعد. فالمنافسة ضارية.
ولأنها سمينة بشكل مفرط، وشهيرة، وناجحة، وتكسب جيداً، فإن فضول المشاهدين، وبالأحرى المشاهدات، يدور حول حياتها الخاصة. هل هي متزوجة؟ هل لها أولاد؟ الجواب هو أن المرأة ذات الوزن الثقيل تزوجت ملك جمال تاهيتي. وهي قد تعرفت إليه عندما كانت تقدم مسابقة «ملك جمال فرنسا»، لكنها بسبب بدانتها عانت صعوبات في الحمل، ولم تستسلم. وبعد تسع سنوات من الزواج وضعت طفلة سمّتها «ويلو». مرحى للسّمينات!