أبناء أثرياء فرنسا يتقاتلون أمام المحاكم.. مسلسلات «الإرث المسموم» تسلّي الجمهور

إنهم أبناء، وأحفاد، وورثة الأسماء الشهيرة في دنيا الأدب، والفن، والتجارة: فرانسواز ساجان، ألان ديلون، جوني هاليداي، بيكاسو، رومي شنايدر، كارل لاجرفيلد، بيير كاردان، لينو فنتورا... ورغم مرور سنوات على رحيل بعضهم، فإنهم ما زالوا يتقاضون أمام المحاكم الفرنسية، متنازعين على حصص من ميراث الآباء والأجداد. ولا يكاد يمر شهر من دون اندلاع قضية جديدة، وهي قضايا تتلقفها وسائل الإعلام وتضعها في صدر أخبارها، لأن «الجمهور عاوز كده».
إذا كنت تحب فناناً وتعيش على أغنياته، فأنت بالتأكيد تتابع أخباره، وكل ما ينشر عنه، سواء أكانت حقائق، أم شائعات وأكاذيب. وستحزن بالتأكيد عند وفاته، لكنك ستواصل اهتمامك به، من خلال متابعة وقائع جنازته التي يبدو فيها كل الحضور حزيناً، ومتصالحاً. وحالما تنتهي المراسم يهرعون إلى مكتب الكاتب العدل، أو المحامي البارع، لكي يحوزوا قطعتهم من الكعكة السمينة التي خلّفها الراحل الثري.

تركة المغني جوني هاليداي
آخر المعارك التي تتالت مثل المسلسلات التلفزيونية المشوّقة، كان النزاع على تركة المغني جوني هاليداي. فمن جهة كان هناك ولده البكر من زوجته المغنية سيلفي فارتان، وابنته من شريكة حياته الممثلة ناتالي باي، وفي الجهة المقابلة زوجته الأخيرة ليتيسيا، وابنتاها منه، وهما مراهقتان آسيويتان تبناهما الزوجان منذ الطفولة. دارت المعركة حول صرّة محترمة من الأموال. وعدا عن العقارات التي كان جوني يملكها، هناك العائدات السنوية لأسطواناته وأفلامه التي تدرّ ذهباً، وألماساً.
بعد سلسلة من الجلسات القضائية التي استفادت منها شركات محاماة، فرنسية وعالمية، وجد المتنازعون أن السنوات ستمر من دون حسم المعركة، وتمتع كلّ منهم بنصيبه من الثروة. وهكذا، قرروا التفاهم فيما بينهم على توزيع للتركة يرضي كل الأطراف، والتوقيع على ذلك خارج المحكمة. إن العمر قصير، وعصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة، والقبول بملايين قلائل، أفضل من انتظار مليارات، قد لا تأتي.

وصية ألان ديلون
كان الممثل العجوز آلان ديلون، في سنواته الأخيرة، وبكامل وعيه، وهو يتابع مسلسل ورثة جوني هاليداي. وكان من الطبيعي أن يتألم للمعارك بينهم، ويتخيل أن أبناءه قد يفعلون الأمر نفسه بعد وفاته. لذلك بادر إلى كتابة وصية، وأعلنها أمام أبنائه، وهي أنه يوصي بجزء كبير من ممتلكاته لابنته الوحيدة والمفضّلة، أنوشكا، بينما يحصل الولدان على ما يتبقى. ورغم الإجحاف الذي لحق بهما فقد تقبّلا إرادة أبيهما، ولم يحصل سوى تراشق كلامي تولت صحافة الإثارة تأجيجه، لكنه خمد سريعاً. ومع هذا، فقد كان من المؤسف رؤية الولدين، وأختهما، يتبادلون الاتهامات على صفحات المجلات، بينما الأب عاجز، ومقعد، وغير قادر على الكلام، وهو في أيامه الأخيرة.

هناك من يحسب حساب غيابه عن الدنيا، ويرتب أمور وراثته بعقود، ووصايا مسجلة لدى المحامين. هذا ما حاول ديلون أن يفعله. لكن أغلبية المشاهير الأثرياء يعيشون ليومهم، كأنهم باقون أبداً. يتغافلون، ويتركون الأمور معلّقة، ولسان حالهم يقول «من بعدي الطوفان». إنه الكسل، وعدم الاهتمام، أو هو التهرّب من مواجهة وارِث لم تنصفه وصية الأب المكتوبة مسبقاً. والأدهى من ذلك، أولئك الذين يتركون لأبنائهم قائمة من الديون التي يتوجب عليهم تسديدها. ولا ننسى أشباه المعتوهين من أمثال مصمم الأزياء كارل لاجرفيلد، الذي أوصى بمئات الآلاف من الدولارات لقطته العزيزة، شوبيت.

إرث بيكاسو.. الأكثر تعقيداً
في كتاب له بعنوان «الوارثون» يستعرض الصحفي، برنار باسكيتو، تفاصيل القضايا الأكثر تعقيداً بخصوص تركات الأثرياء. وقد أمضى ثلاث سنوات يستقصي ويجمع الوثائق لكي يؤلف هذا الكتاب الذي تمكن قراءته مثل رواية بوليسية مشوّقة. ويعود المؤلف بشكل خاص إلى ملكية بيكاسو المذهلة، والتي تقدّر قيمتها اليوم بـ 800 مليون يورو. لقد توفي الرسام الإسباني الأشهر في القرن العشرين من دون أن يترك أيّ تعليمات. والنتيجة: يواجه المستفيدون المتعدّدون كابوساً عندما يفتح ملف حصر الإرث، بعد أربع سنوات من الجرد.
هناك، على أحد الجانبين الورثة الشرعيون: ابنه باولو، وزوجته الثانية جاكلين روكيه. وفي الجانب الثاني ابنته مايا التي أنجبها الرسام من إحدى عشيقاته، إضافة إلى كلود، وبالوما، الولد والبنت اللذين ولدا من علاقته بفرانسواز جيلو. ونقرأ في الكتاب أن لكل وريث محاميه الخاص، وليس أيّ محام، بل واحد من فطاحل رجال القانون، وأساتذته في فرنسا، البلد الذي كان يقيم فيه الرسام. كان عليهم أن يقسموا قسمة عادلة، وحسب القانون تركة تتألف من 50 ألف عمل فني. وحتى لو بيعت الأعمال وتوفرت الأموال، فإن المعركة ستكون شرسة بين الأبناء الشرعيين، وغيرهم من أبناء العشيقات.

رومي شنايدر.. وصية مقتضبة وديون
وإذا كانت الخلافات على إرث بيكاسو معروفة، ومتوقعة، فإن هناك بعض الحالات الأقل شهرة. مثل وصية الممثلة النمساوية الأصل رومي شنايدر، والمؤرّخة في ربيع 1982، أي قبل 19 يوماً فقط، من وفاتها بجرعة كبيرة من الأدوية المهدئة. فقد كتبت بخط يدها رسالة في زيورخ، قصيرة جداً، جاء فيها: «أطلب من الدكتور هـ، أن يسلّم كل ما أملكه أنا، رومي شنايدر، إلى لوران بيتان، وابنتي سارة. إن هذه هي إرادتي». ولوران بيتان هو رفيقها الأخير الذي كان شاباً لطيفاً وحكيماً، رافقها دائماً، وكان موجوداً دائماً من أجلها. وبناء على تلك الوصية المقتضبة فقد حصل بيتان، بشكل خاص، على المنزل الذي كانت رومي قد اشترته قبل وفاتها بقليل، في ضاحية «بواسي»، قرب باريس. أما ابنتها سارة بيازيني، البالغة من العمر 4 سنوات، فإنها حصلت على كل ما تبقى، وبالأخص ديون والدتها التي كانت مطلوبة لدائرة الضرائب.
كان بإمكان والد سارة، دانييل بياسيني، زوج رومي السابق، أن يتنازل عن الميراث المخصص لابنته الطفلة باعتباره الوصي عليها. لكنه لم يفعل، فقد كان على خلاف مع لوران بيتان رفيق طليقته. وأخيراً تم التوصل إلى اتفاق مع السلطات الضريبية لتسوية ديون الممثلة. وبهذا، فإن سارة التي كبرت وصارت ممثلة أيضاً كسبت كثيراً من عائدات العروض الكثيرة لأفلام والدتها.

فرانسواز ساجان.. ورطة الإرث
نتعرف في الكتاب أيضاً إلى قضية تركة الروائية الفرنسية الشهيرة فرانسواز ساجان. وغالباً ما يتبقى للورثة جبل من الديون عندما تُقرأ لهم الوصيات. فقد كانت ساجان مقامرة شرهة، كسبت كثيراً، وبدّدت نقودها في الهواء، وعندما توفيت في عام 2004، كانت بلا مال. يقول المؤلف إن كل شيء سار بشكل سيئ قبل وفاة الكاتبة التي كانت في سنواتها الأخيرة قد أصبحت امرأة مدمَّرة، ومغطاة بالديون، وتتعرض للملاحقة من قبل سلطات الضرائب. لقد تم الاستيلاء على أصول رواياتها، ودخلها، وسياراتها، ومنازلها، وشققها. وباتت تقيم مع صديقة اشترت منزلها في بلدة «إيكويموفيل»، وتركت لها حق الانتفاع به. إنه يقع في مقاطعة النورماندي التي تعشقها، حيث مقر كازينوهات القمار التي عاشت حياتها تتردّد عليها.
لقد كتبت ساجان عدة وصايا، بحسب حالتها المزاجية. ولكن في النهاية لم يتم العثور على أي منها. وعلى أي حال، فإن الأمر ليس مهماً إذ لم يكن لديها سوى وريث واحد، هو ابنها دينيس. لقد وجد نفسه في ورطة بعد رحيل والدته، ومديناً بمبلغ 1.2 مليون يورو للسلطات الضريبية. استشار المحامين حول ما يجب أن يقوم به. هل يرفض الميراث ليتخلص من الديون تاركاً حقوق روايات الأم تقع بيد الدولة؟ وهي قد تباع، أو لا يتم استغلالها بالشكل الكافي الذي يتناسب ومكانة ساجان، وشهرتها، ودورها في تاريخ الأدب الفرنسي.
لقد شمر عن ساعديه، وتفاوض مع وزارة المالية على جدولة الديون، وتقسيطها، وخصم بعضها من الدخل المستقبلي الذي تضمنه عائدات بيع الروايات. كما وجد ناشراً يقوم بإعادة نشرها في طبعات جديدة، خصوصاً تلك التي لاقت استحساناً كبيراً لدى القراء. إنها مسيرة طويلة استغرقت 10 سنوات كاملة، قبل أن يرى الوريث الضوء في نهاية النفق. مع هذا ينقل عنه الكتاب أنه سعيد بما قام به، وقد أصبح لحياته معنى، كما أن والدته، من مكانها البعيد، ستكون فخورة بما قام به.

كلود فرانسوا.. اختفاء الوصية
كان المغني المحبوب كلود فرانسوا دون الأربعين من العمر، حين فارق الحياة فجأة، بصعقة كهربائية في حمام منزله، وهو في ذروة شهرته. فتحوا خزنته التي كان من المفترض أن تحتوي على وصيته التي كتبها قبل ثلاث سنوات، لكن الوصية اختفت بشكل غامض، ووجدوا بعض الحليّ المزيّنة بالألماس فقط. إن الوريثين هما طفلاه القاصران. وقد أوكلت العائلة إدارة الشركة الخاصة بالمغني إلى رجل الأعمال، ألان دومينيك بيرين، الذي كان قد ساعد كلود فرانسوا في تصحيح حساباته، وتسديد ضرائبه في السنوات التي سبقت وفاته. وهو في الحقيقة كان مستفيداً من التسوية، لأنه كان قد أقرض المغني مبلغاً من المال قبل وفاته مباشرة. ومع التسوية وتسلم عائدات الأسطوانات سيأخذ رجل الأعمال حقه.
أما جوزيت، شقيقة كلود، فكانت أقلّ حظاً. فقد ادعت أنها دفعت 50 ألف فرنك (7600 يورو) لأخيها خلال أزمته مع الضرائب، لكنها لم تكن تمتلك أوراقاً تثبت ذلك. لقد بقيت تعيش في مرارة دائمة. فقد قام بيرين بتصفية أصول العقارات، وتسوية الديون، واستغلال الأعمال بعد وفاة المغني، قبل أن يسلم مفاتيح الإمبراطورية الفنية في عام 1986 إلى كلود جونيور النجل الأكبر للمتوفى، الذي كان قد بلغ سن 18 عاماً. وعلى الفور، سارع الابن إلى سداد سلفة عمته جوزيت، من أجل تخفيف التوترات داخل العائلة.

لينو فنتورا.. حساب سرّي
في قائمة الإرث الملعون، يحتل إرث النجم السينمائي الإيطالي الأصل لينو فينتورا، مكانة خاصة. في البداية سار كل شيء بسلاسة. ستحصل أرملته أوديت على الميراث، وينحني الجميع. ولكن عندما توفيت الأرملة في عام 2013 كانت القصة مختلفة. فقد تصاعدت التوترات عند اكتشاف مخبأ سري في سويسرا. وهو حساب مصرفي كان الممثل قد فتحه قبل عقود من الزمن، ويحتوي على عدة ملايين من اليوروهات. ولما أراد الابن الأكبر من بين أبناء فنتورا الأربعة، نقل المبلغ إلى فرنسا، وطنه، وجد نفسه في مأزق. فقد كانت وزارة المالية قد وعدت بإلغاء الغرامات على الفرنسيين الذين يعلنون عن حساباتهم المخفية في الخارج، وهو ما لم تفعله الزوجة المتوفاة. ودخلت العائلة في معركة شرسة بين الأبناء والأحفاد، خصوصاً عندما اكتشفوا أن مبالغ كبيرة من المال تم سحبها سراً من سويسرا، في السنوات الأخيرة.
ويطالب أحفاد ميلين، الابنة الكبرى للممثل التي توفيت فجأة قبل بضع سنوات، بمراجعة جميع حسابات التركة، معتقدين أن الجهة الموكلة بتوزيع الحصص كانت منحازة لمصلحة الأبناء الآخرين. وتشمل التركة ليس فقط الحساب المصرفي السويسري، والمجوهرات التي تقدر قيمتها بنحو 200 ألف يورو، ولكن أيضاً المباني التجارية، ومنزلين، وأرضاً، وقصراً في ضاحية «سان كلو» الراقية قرب باريس. وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق، سيتم في النهاية طرح جميع الممتلكات للبيع في المزاد العلني.
هل الميراث وسيلة لتصفية الحسابات؟ يتساءل الصحفي برنارد باسكيتو، في كتابه المثير. ليس بالضرورة لمن يمنحه، بل غالباً لمن يرثه، إذ يتحول إلى سبب للمعارك بين الورثة، ومصدراً لتمزق العائلات. والأفضل أن يموت المرء فقيراً مستوراً.
اقرأ أيضاً: ابنة الممثلة رومي شنايدر تكتب عن حياتها ووفاتها