وجان دارك هي من الشخصيات النسائية المهمة في التاريخ الفرنسي. وهناك من يعتبرها بطلة، وقدّيسة، وشهيدة. بنت فلاحين بسطاء، زعمت أن دعوة ربّانية جاءتها لكي تتولى قيادة الجيش الفرنسي في حرب المئة عام ضد الإنجليز. حلقت شعرها قصيراً، وارتدت الدّرع الحديدية، والخوذة، وحملت السيف، وحققت انتصارات مهمة. لكن نهايتها كانت مأساوية، حيث قبضوا عليها، وباعوها لأعداء بلدها، وحكم عليها الإنجليز بالإعدام حرقاً بتهمة الهرطقة، أي ما يشبه الكفر، عام 1431. وكانت دون العشرين من العمر.
هناك عشرات الكتب، والأفلام، والمسرحيات، عن جان دارك، وهناك تماثيل لها في عدد من المدن الفرنسية. لكن ذكراها بقيت بعيدة، وشبه منسيّة، قبل أن تعود للظهور بقوّة، في الأشهر الأخيرة. ما الذي أخرجها من «النفتالين»؟
في حفل افتتاح دورة باريس الأولمبية، الصيف الماضي، كان هناك مشهد لفارسة ملثمة تحمل سيفاً، وتقود حصانها فوق انسياب نهر «السين»، في إخراج خرافيّ. ولم يكن المشاهدون الفرنسيون في حاجة لإماطة اللثام عن وجهها، فقد تعرفوا، فوراً، إلى بطلتهم القومية. وقد نفذت الزي مصممة الأزياء الفرنسية جان فريو، التي سبق لها أن قدّمت عارضة ترتدي درعاً من الجلد المدعم بالمعدن، في عرضها لمجموعة ربيع وصيف 2025، كان عنوان العرض «المثل الأعلى». وبهذا فقد عادت جان دارك لتلهم الجيل الجديد.
جان دارك في عرض أزياء
إلهام لا يقتصر على فرنسا، فالعالم بات فعلاً قرية صغيرة. وقبل شهرين، قدمت المغنية الأمريكية الشابة شابيل رون، أغنية في حفل توزيع جوائز «MTV»، بعنوان «حظاً سعيداً يا صغيرتي» وكانت ترتدي درعاً، وتحمل سيفاً. وبعد أيام قلائل، ظهرت المغنية البلجيكية آنجيل على غلاف مجلة «فوتو»، وهي ترتدي بزّة جان دارك. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أعلن المخرج الأسترالي باز لوهرمان، أنه بصدد عمل فيلم عن سيرة البطلة الفرنسية.
يبدو أن الأمم، في أوقات الأزمات، تعود إلى قراءة سِيَر أبطالها الدراميّين المحبوبين. إنه نوع من تذكير الأجيال الجديدة بالأمجاد القديمة. وكنت أتصور أن الافتخار بالماضي التليد هو صفة يبرع فيها العرب، لكن يبدو أن الفرنسيين أبرع منّا في هذا الميدان. وكلما خبت شعلة حضارتهم نفخوا في الرماد، وأجّجوا الجمرة المنطفئة.
للأسف، تستغل أحزاب اليمين المتطرف عيد جان دارك، لكي تنظم تجمعات حول تمثالها في باريس، ورفع أعلام ولافتات ذات نفَس عنصري. كم من الآثام ترتكب باسمك يا جان دارك!