19 فبراير 2025

«بينالي الشارقة 16».. مسارات «رِحالنا» و«أحمال» الذاكرة والتاريخ وتعدد الهويات

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

تحت شعار «رِحالنا»، يطرح «بينالي الشارقة» في دورته الـ16، مفهوماً عميقاً لتجارب الحياة البشرية، وأحمالها العاطفية والفكرية، والتأملات العميقة حول الإنسانية والتاريخ والمستقبل، عبر رؤى فنية إبداعية متعددة.

البينالي، الذي انطلق في 6 فبراير، ويستمر حتى 15 يونيو 2025، يواكب مفاهيم تلك الأحمال، وتحمل العديد من الأعمال المشاركة هموم البيئة والتكنولوجيا، وتداعياتها على البشر. وتتجسد الأعمال المعروضة في بينالي الشارقة عبر رؤى فنية متنوّعة تم تطويرها من قبل خمس قيّمات للفن المعاصر: علياء سواستيكا، أمل خلف، ميغان تاماتي كيونيل، ناتاشا جينوالا، وزينب أوز. تُقدّم كل قيّمة مجموعة من المشاريع التي تفتح أبواب الحوار بين الفن، والثقافة، والتاريخ، وتطرح تساؤلات حول التأثيرات الإنسانية التي يعكسها الفن.

تماهت كلمة الشيخة حور القاسمي، رئيس مؤسسة الشارقة للفنون، مع أبعاد البينالي، مؤكدة بالقول «لأننا نعمل في حقل الفن، فإن مقاربتنا تنطوي على الدوام على صياغات بصرية وجمالية، تتفاعل مع ما يحدث من حولنا، متلمسة سبيلاً مغايراً ومبتكراً، للتعبير عن موقفنا إزاء ما نعيشه، ونعايشه من أحداث جِسام تشهدها المنطقة على مرأى من العالم، عبر منظومة البرامج والفعاليات التي نقدمها، وتتماهى وتتناغم مع مواقفنا الجذرية والراسخة على الصعيد الوجداني والإنساني».

مجلة كل الأسرة

الشيخة حور كانت قد ألقت كلمتها، خلال الافتتاح، وهي تتوشح بالكوفية الفلسطينية، وطرحت تساؤلاً عميقاً يستشرف القادم من «رحالنا»، وكان السؤال: «ترى ما الذي تنطوي عليه رحالنا إذا تناءت بنا الدروب؟ وكيف يمكن لهذه الأحمال أن تؤسس لأمكنة جديدة عامرة بالذكريات والآمال؟ وهل بمقدورنا أن نستشرف مستقبلاً يحمل في طيّه أيامنا الغابرة، مستفيداً من الخصائص الأصيلة والماثلة في غضونه؟».

تلك التساؤلات تجدها في أرجاء بينالي الشارقة 16، الذي توزعت خريطة عروضه عبر أكثر من 17 موقعاً على امتداد إمارة الشارقة، بما فيها الحمرية، والذيد، وكلباء، وتتنوع بين معارض فنية، وعروض أدائية، وموسيقية، وسينمائية، بمشاركة 200 فنان من مختلف أنحاء العالم، وتقديم أكثر من 650 عملاً، وتتضمن 200 تكليف فني جديد، ويتمحور جزء كبير من أعمال البينالي حول التعاون الجماعي، وخلق حوارات جديدة بين الفنانين والجمهور. ففي مشروع «النسيج»، تجتمع الفنانات غونيش تركول، ييم ين سوم، وسليمة حكيم، لاستكشاف تاريخ الحياكة والنسيج في إندونيسيا، بينما يتعاون رافين تشاكون مع مغنّين بدويّين في عمل صوتي يحيي التراث الثقافي في منطقة المدام. كما تواصل منصة «بالناقص» تقديم مشاريع دعم الفنانين، وإعادة توزيع الموارد من خلال المعارض الجماعية.

مجلة كل الأسرة

ومن خلال التركيز على التجارب الصوتية، يقدم بينالي الشارقة أعمالاً فنية متجدّدة، مثل «قصة نهر نيوزيلندي» للفنان مايكل باركوهواي، حيث يتداخل الصوت والموسيقى، في تجربة فنية مبتكرة. كما يقدم مارا تي كي عملين صوتيّين، أحدهما يتناول التقويم القمري الماوري، فيما تلهم منشورات «ياز» العديد من الفنانين لتقديم تجارب صوتية تلامس موضوعات البيئة والماء.

مجلة كل الأسرة

في أرجاء «بينالي الشارقة الـ16»، تتردّد أصوات «رحالنا» وذاكرة مملوءة بالشجن حيناً، والفرح أحياناً. ففي بعض الأعمال، تتلمس صوت التاريخ يتردّد في فضاءات المشهد، في رحلة مع الكلمات، والذاكرة، والمستقبل، ومع «أحمالنا» التي نرتئي أن نحملها طوعاً، أو رغماً عنا.

وبحسب القيمين على البينالي، تنطلق الرؤية من فكرة أن كل إنسان يحمل ثقافته وهويته أينما حل. ويستعرض البينالي كيف يمكن لهذه الرحلات أن تفتح آفاقاً للتفكير والتأويلات المتنوعة. ويستمد العنوان من مسعى «لفهم هشاشتنا في الأماكن التي لا تنتمي إلينا، وكيفية تفاعلنا مع هذه المساحات بينما نحتفظ بقدرتنا على التأثير والتواصل معها».

مجلة كل الأسرة

البيرو.. وإعادة تعريف بالهوية وبـ«ثقافة الأنديز»

مجلة كل الأسرة

تتعدد المواضيع التي يتناولها الفنانون في هذا البينالي، من تاريخ البحر والجغرافيا الساحلية، إلى التأثيرات في بيئتنا. وفي إطلالة على بعض الأعمال، نستكشف بعض ملامح الثقافة الأنديزية مع كلوديا مارتينيز غاراي، عبر وسائط فنية متعدّدة، لاستكشاف الحضارة الأنديزية، وتاريخها. من خلال أعمالها، تعيد إحياء الرموز البصرية لثقافة موطنها الأصلي، بيرو، وتتحدى التأثير المستمر للاستعمار، والسرديات الرسمية التي تصوغ فهمنا للثقافات. تركز غاراي على القطع الأثرية لحضارة الإنكا، وتمزجها في أعمالها بأسلوب يعكس التفكك والتشظي، وتتشابك في أعمالها النسيجية ملامح الماضي، والحاضر، والمستقبل. وبهذا المزج بين الماضي والحاضر، وبين الرموز التراثية والمفاهيم النقدية، تحوك مارتينيز جاراي سرداً بصرياً يعيد تعريف الهوية، ويشير إلى التآكل الذي لحق بهذه الثقافات.

وتعمل الفنانة مريم النعيمي على استكشاف الروابط بين الخليج العربي والمسطّحات المائية، وتستلهم الفنانة البحرينية ممارستها الفنية متعدّدة التخصصات من خلفيّتها الأكاديمية في التخطيط الحضري والعمارة، حيث تمزج بين الفن التشاركي، ورسم الخرائط، والأبحاث البيئية في أعمالها. وفي عملها الفني «الماء الذي طلب سمكة»، تسلط الضوء على العلاقة التاريخية والمعاصرة بين سكان الخليج والمسطّحات المائية.

مجلة كل الأسرة

ولإنجاز هذا المشروع، انخرطت النعيمي في حوار مع مجموعة متنوّعة من الأفراد، شملت الصيادين، وعلماء الأحياء، والبيئيّين، والكتّاب، وأفراد المجتمع، وأثمرت هذه الحوارات عن رؤى مؤثرة حول الطقوس المحلية، والأساطير، ما دفع الفنانة إلى تقديم تصوّر للمسطّحات المائية باعتبارها كائنات حيّة تتنفس. ويُعدّ مشروع «الماء الذي طلب سمكة» نموذجاً مبتكراً لتوظيف الفن في الوعي البيئي.

وهناك أعمال أخرى توثق الحياة على السواحل، من خلال صور فوتوغرافية تعرض النشاطات المجتمعية، والاستجمام (أكينبودي أكينبيي)، أو تسرد أساطير التاريخ البرتغالي-الإفريقي، والحياة اليومية على الشواطئ الساحلية (كاسي نامودا).

في أعمالها، تستكشف بِكي فلاسوبولو، كيف تتحوّل المساحات إلى أدوات قسرية تحدّ من حرية الأفراد، وتغوص في التاريخ المظلم لجزيرة ليروس اليونانية خلال الاحتلال البريطاني، حيث تربط الفنانة هذه المساحات المقيّدة بتجربة المهاجرين والفئات المهمشة، مستخدمة أطباق البورسلين كرموز للحياة اليومية، والتغذية، وتسجّل عليها «ندوب» الزمن كما لو أن كل طبق يصبح دفتر يوميات منقوشاً بالألم، والتاريخ.

مجلة كل الأسرة

وفي تجربة سينمائية مكثفة تحت اسم «اقلبي الصفحة يا يدي»، تجسد الفنانة بيتول أكسو، عبر فيديو مدته 5 دقائق و35 ثانية، صرخة بصرية تمثل معركة الإرادة والقيود، حيث الدعوة إلى قلب الصفحة «والأرض تدور، استلق في وسط الفراش، دع يديك تشعران بنعومة الملاءة، تشبث بالملاءة، أغمض عينيك، واقلبي الصفحة يا يدي».

مجلة كل الأسرة

وبالكثير من العمق الرمزي، ترصد أكسو الشخصيات أسيرة الزمن والتكرار وتبعث في طيّات رسالتها الأمل، حيث الدعوة إلى الخروج من دوائر العادة، والركود نحو فضاء أوسع من الاحتمالات.

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

تستمر دورة بينالي الشارقة الـ16 في تقديم مساحة حيوية للتبادل الثقافي والفني حتى 15 يونيو، حيث يلتقي الفنانون مع بعضهم بعضاً، ومع الجمهور، وهم يصوغون لغة مشتركة هي لغة الروح التي تحاكي دواخلهم بمنظومة قيم عميقة، عمادها الحب والأخوّة، حيث يعبّر البعض عن تلك الروح «نحمل في داخلنا لغة الروح، تلك التي تتجاوز الكلمات لتصل إلى الأعماق، حيث يسكن الحب، الأخوّة، والتواشج العاطفي الذي يربط بعضنا ببعض. نحمل أشعة صباح بلا خوف، وغداً مشرقاً، وابتسامات غير مرئية. نعلم أن الرحلة مستمرة، وأننا سنظل نحمل ذاكرة تاريخنا، مقاومته، وتضحياته، في كل خطوة على هذا الطريق».

*تصوير: صلاح عمر