04 مارس 2025

إنعام كجه جي تكتب: الإنسان الإعلان

صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس

مجلة كل الأسرة

المرة الأولى التي رأيت فيها مثل هذا المشهد كانت في الشارع العام بولاية شيكاجو الأميركية. رجل يعلق في رقبته لوحة كبيرة مخطوط عليها إعلان لمتجر يبيع الحلي الذهبية. ولكي أكون صريحة فإنني لم أعجب بالفكرة الطريفة بل أوجعني منظره. يمكن لصاحب الإعلان أن يعلقه على واجهة متجره أو على حائط مجاور. لكن من غير الإنساني أن تستخدم رجلاً كجدار أصم.

بعد ذلك تكررت رؤيتي لمثل تلك الوسائط الاعلانية البشرية في شوارع أميركا وفي لندن وباريس. وفي كل مرة كنت أستغرق في التفكير بمدى البؤس الذي وصلته الحضارات لكي تجبر الرجال على القبول بمهمات مهينة. لابد أن هؤلاء لم يجدوا وظائف أنسب لكي يكسبوا لقمة العيش. إن لقمة رجل واحد يمكن تدبيرها لكن ليس الأمر كذلك مع لقمة عائلة وزوجة وأبناء.

فكرة الدعاية تنقلني إلى موضوع قريب وبعيد في آن. وأعرف أن مجرد تطرقي لهذا الموضوع سيثير ضدي عاصفة من الاستنكار والاحتجاج. لكنني لم أتعود قمع لساني ولا قلمي. ومع التقدم في السن صار الجهر بأفكاري أشد إلحاحاً.

الموضوع، بدون مواربة، هي استغرابي من رؤية كل أولئك السيدات والأوانس الأنيقات المقتدرات وهن يحملن حقائب موشحة بالعلامة الباريسية الفلانية، أو الثياب التي تحمل توقيع مصمميها على صدرها. ماذا يعني ذلك؟ هل هو التباهي بما نملك والقدرة على اقتناء أغلى الحقائب والأوشحة؟ أم أنها الرغبة في التظاهر وكيد الصديقات؟ أم هي مجرد ملاحقة مشبوبة للموضة؟

لن يرضيكم كلامي. لكنني شعرت بالأسى حين دعيت إلى ندوة أدبية في جامعة خليجية ووجدت في أيدي الطالبات حقائب لا تصلح لوضع ملف دراسي، ولا حتى لوح إلكتروني. كان مجموع أثمان تلك الحقائب يساوي ما يغري عصابة للسطو المسلح بالهجوم على ندوتنا الأدبية.

ما الذي يجعل بناتنا المتعلمات يتحولن إلى إعلانات متنقلة لهذه العلامة التجارية أو تلك؟ والأدهى من ذلك هو حين تكون الحقائب مقلدة وليست أصلية. وهنا يبلغ امتعاضي مداه. كمراسلة من باريس لمجلات نسائية اقتربت من كبريات دور الأزياء وبات في مقدوري كشف الحقيقي عن المزيف من النظرة الأولى. ما قيمة بضاعة "فالصو" حين يتعلق الأمر بكيد العذال والعاذلات؟

أظن أن الأمر كله يتعلق بالثقة في النفس. كوني أنت، جميلة وراقية بما تحملينه في رأسك، ولن تضيف لك أغلى علامات الدنيا جمالاً ولا رقياً. علمّي بناتك على الثقة بأنفسهن منذ الصغر، لا على استجدائها من "ديور" و"فويتون" و"هيرميس" وباقي الشلة.