
عند برزة شاطئ شعم، اعتاد أحمد الشحي التجمّع مع عدد من الأهل، و«الرّبع». تلك العادة تتعزز أكثر مع قدوم شهر رمضان المبارك، وتتحوّل إلى موعد يومي مع أذان المغرب، ومشاركة الإفطار الجماعي، حيث إن هذه التجمعات هي عادات متوارثة، لم تندثر، ولم تغيّرها السنون.
تلك البقعة الصغيرة في شعم تستحضر كل الموروث الذي ما زال حاضراً، سواء بين القبائل المعروفة، مثل قبيلة الشحوح التي تعتبر من أعرق القبائل الإماراتية، أو قبائل أخرى مثل الظهوريين، والأحبابي، والمهيري، وغيرها، كما أهل الجبال، والبدو الذين يتمسكون بتلك العادات الجليلة.

فعلى الرغم من التحولات الاجتماعية، والتطورات المتسارعة، لا تزال العادات والتقاليد الأصيلة متجذرة في مناطق شعم، وادي شعم، غليلة، خور خوير، الجير، وادي غليلة، وادي الظهوريين.. حيث تتوارث الأجيال جيلاً بعد جيل هذه العادات، ما يضمن استمراريتها.

وفي هذا السياق، يؤكد أحمد الشحي أن هذه العادات لم تندثر، بل ما زالت قائمة، ومتسلسلة عبر الأجيال «هي مستمرة، والحمد لله، وقد ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، ودورنا اليوم أن ننقل هذه الرسالة إلى الجيل الجديد. والتعليم بالملاحظة هو مفتاح الحفاظ على العادات، إذ يرى الأبناء كيف نمارس هذه العادات، وبشكل لا إرادي يسيرون على النهج نفسه».
ويلفت إلى أن البدو أيضاً، هم اكثر تمسكاً بتلك العادات «شعم قريبة من الجبل والساحل، ونحن نستقي الكثير من العادات البدوية، ونجد أن أهل الجبال يتوارثون هذه العادات بالقوة نفسها بين الأجيال، لدرجة أنّ الطفل في عمر صغير «يرزف»، في حين تغيّرت بعض العادات والتقاليد على الساحل، إلا أن التمسك بالجذور ما زال راسخاً».
ولا تقتصر هذه العادات على المناسبات فقط، بل تمتد إلى المجالس التقليدية، التي تُعد من أبرز ملامح الحياة الاجتماعية في هذه المناطق «الحمد لله، لا يزال هناك اهتمام بالعادات، مثل صبّ القهوة، والمجالس الاجتماعية. فكل يوم جمعة، تفتح المجالس لاستقبال الأهالي، حيث يلتقون من التاسعة صباحاً، وحتى الثانية عشرة ظهراً».

التجمعات.. جزء أصيل من طقوس الشهر الفضيل
أما شهر رمضان، فهو موسم متجدّد لإحياء العادات، حيث تعتبر المجالس والتجمعات جزءاً أصيلاً من طقوس الشهر الفضيل، في مشهد يعكس قيم التواصل والتلاحم بين أبناء المجتمع، إذ يجتمع ما بين 30 إلى 40 فرداً، يومياً، من أجيال مختلفة.
ويصف أحمد الشحي هذا التواصل بـ«غذاء الروح»: «هذه الجلسات تخفّف عنّا ضغوطات الحياة، وتتماهى مع مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وإقرار«عام المجتمع» لتوطيد الأواصر الأسرية، والحفاظ على التماسك المجتمعي، حيث كل فرد يشعر بالـ«عزوة»، أو السند».
ويشرح «الفريج بأكمله يشارك في هذه المجالس، ولا يزال كل حي يحافظ على عاداته، على الرغم من تغيّر بعض الظروف، وانتقال بعض العائلات إلى مناطق أخرى، بسبب العمل، أو متطلبات الحياة، إلا أن من بقي في المنطقة لا يزال يحرص على هذه العادات، ولا تقتصر على المواطنين، بل حتى المقيمون يشاركون في الجلسات الرمضانية. نجتمع معاً على الإفطار، وبعد صلاة المغرب، يجتمع الجميع لشرب القهوة، ثم يتناولون العشاء، يلي ذلك أداء صلاة التراويح، وبعدها ينتقلون من مجلس إلى آخر، تسودهم روح الألفة».

«اللي ما له ماضي، ما له حاضر»
تمثل هذه العادات امتداداً لقيم الضيافة والتكاتف الاجتماعي، وتشكلّ المجالس الرمضانية مكاناً يجمع الأجيال المختلفة، في أجواء تعبق بالتقاليد الأصيلة التي أرساها الوالد المؤسس المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، حيث ثمة مصلحون يقومون بردم أيّ خلاف بين أفراد القبيلة.
ويتشبث فهد عبد العزيز الشحي بمقولة الأب المؤسس «اللي ما له ماضي، ما له حاضر»، ويضيف «نشأنا على هذه العادات منذ كنا طلاباً في المدرسة، وكنا نرى موائد الإفطار الجماعية للكبار، وكان يحضر كل واحد منّا فطوره من منزله، وبينما يجلس الرجال في جهة، نجلس في الجهة المقابلة، ومع مرور الزمن، أصبحنا جزءاً من هذه المجالس، وها نحن اليوم نحافظ عليها مع أبنائنا، وأحفادنا».
ولا تقتصر هذه التجمعات على كونها «لقاءات اجتماعية»، بل تشكل مساحة لنقل القيم والعادات من جيل إلى جيل، وترسيخ قيم الكرم والتعاون، ما يجعل رمضان شهر الترابط الأسري، والتمسك بالجذور.
يؤكد فهد الشحي «لا تقف العادات عند حدود التجمع، بل تشمل الأكلات الشعبية التي تميّز موائد الإفطار في رمضان. منذ الصغر كنّا نتناول الهريس، الثريد، العيش مع السمك، وغيرها من الأكلات الرمضانية الأصيلة. ومع تطور الزمن، دخلت بعض الإضافات، لكن الأساس ظل ثابتاً، حيث تحرص العائلات على تعليم الأجيال الجديدة أسرار هذه الوصفات، وأهميتها في موروثنا الشعبي».

عادات تربطنا بجذورنا وهويتنا
وعلى الرغم من تمسك بعض المناطق بهذه التقاليد، إلا أن مناطق أخرى بدأت تفقد بعضاً من هذه العادات بفعل التطور. ويوجه الوالد فهد الشحي دعوته إلى الحفاظ على العادات في مواجهة التغيرات، لكونها بمثابة جسر يصل بين الماضي والحاضر «هذه العادات يجب المحافظة عليها وتوريثها للأبناء، حتى لا تندثر، أو تُمحى. وفي هذا الشهر الفضيل، يجب إحياء هذه العادات التي تربطنا بجذورنا، وهي جزء من هويتنا وتاريخنا الذي نعتز به»، لافتاً إلى أن الدورات الرمضانية، وكان أحد مؤسسيها في نادي التعاون في شعم، هي جزء أيضاً من هذا التواصل، لما تجسده من روح رياضية، وترابط اجتماعي، وتشمل مسابقات ثقافية واجتماعية، ومحاضرات دينية، وغيرها.
من جهته، يرى عامر جمعة الشحي، أن السر في حفاظ أهالي شعم، والمناطق المجاورة، على تجمعاتهم وتواصلهم المتين يعود إلى «الإرث الاجتماعي الذي توارثوه عن الآباء والأجداد، ما جعلهم أكثر ترابطاً. هذا التلاحم يظهر جلياً في مختلف المناسبات، سواء في رمضان، أو قبله، أو خلال الأعياد، وفي الأفراح والأحزان، نجد الجميع متكاتفين، يساندون بعضهم بعضاً. فالمجلس الذي يجتمعون فيه هو واحد من عدة مجالس منتشرة في منطقة شعم، والتي تشكل ملتقى لتبادل الأخبار حول الأفراد، وصحتهم، ومجريات أحوال المنطقة».

وعن الأجواء الرمضانية، يشرح عامر الشحي «نفطر معاً، وبعد صلاة التراويح ننتقل من بيت إلى بيت، حيث«نتقهوى»، وتقدم لنا الفوالة، ونمر يومياً على نحو 7 إلى 10 منازل، ما يعزز روح الألفة والتلاحم بين الأهالي، وبالأخص إذا كان أحدهم مريضاً أو للتهنئة بأيّ مناسبة، في حين أن بعض الإخوة يتجهون إلى النوادي للانخراط في الدورات الثقافية التي تعزز هذا الجانب»، مؤكداً أن «بعدنا عن صخب المدن يبقينا متمسكين بتلك العادات، حيث التنشئة ترتكز على التمسك بالجذور والتراث».
يشارك علي سيف الهلي الشحي في التجمعات الرمضانية يومياً «السر في الحفاظ على هذا البعد هو نظام القرى، وهذه التجمعات قائمة على الدوام، سواء في رأس الخيمة، وخورفكان، وكلباء، أو الفجيرة، وأم القيوين، غيرها، ولكنها تتعزز في رمضان، كما أن طبيعة رمضان تفرض نفسها على التوجه»، مشيراً إلى «مصالحات» تتّم قبل قدوم رمضان، ويأمل أن تتزايد هذه التجمعات في أماكن أخرى.
بدوره، يلفت محمد عبدالله إلى الأعداد الكبيرة التي تتشارك الإفطارات الجماعية في الفرجان، حيث تمتد هذه التجمعات من وقت أذان المغرب، إلى ما بعد صلاة التراويح، يلتقون للتزاور، والقيام بواجبات اجتماعية، مشيراً إلى أن «هذه التجمعات تزيد الألفة ما بيننا، وبالأخص أنها تجمع أجيالاً من مختلف الشرائح العمرية».

عادات أصيلة في كل إمارات الدولة
في الشارقة، تُنصب الخيام لإفطار الصائم، تلك العادة المتأصلة تعتبر التجمع الأكبر في رمضان، إضافة إلى تجمعات بين الأقارب والعوائل، الذين يفضلون الإفطار الجماعي، وبالأخص الأسر الممتدة، من دون إغفال عادة تبادل الأطباق بين الجيران، وتجمع النساء وقت صلاة التراويح في المساجد، وتبادل الأحاديث، وتناول الطعام، و«الغبقة»، وبعض العائلات تتجمع حتى وقت السحور، فضلاً عن التجمعات في الفرجان والأحياء في بعض مناطق الإمارة، ومنها الإفطارات الجماعية مع الجيران، وغيرها من المبادرات المجتمعية.
وتواكب قبيلة الظهوري الشهر الفضيل، وتحيي العادات والتقاليد من خلاله. يؤكد الدكتور سعيد خماس الظهوري، أن شهر رمضان في الإمارات ليس مجرّد شهر صيام، بل «هو تجربة روحانية واجتماعية متكاملة، تجمع الكل تحت سقف واحد، بروح واحدة، نجسد فيها قيم التكافل والتسامح التي نشأنا عليها، حيث نحرص في هذا الشهر على أن تكون مجالسنا مفتوحة لاستقبال الضيوف بوجه بشوش، وقلب مفتوح، تجسيداً للنهج الذي تعلمناه من آبائنا، وأجدادنا».

ويروي د. الظهوري أن التجمعات الرمضانية، وتحديداً في شعبية الظهوريين، تتميّز بطابع خاص يجمع بين الأصالة والكرم «شهر رمضان لا يقتصر على الجوانب الروحانية والدينية فقط، بل تكتسب التجمعات معنى خاصاً يعزز الروابط الاجتماعية. فخلال هذا الشهر الفضيل، نجتمع حول موائد الإفطار في أحاديث ودية، وتزدان المجالس بأصناف المأكولات الإماراتية التقليدية»، ويختصر د. الظهوري بالقول «حقاً، رمضان يجمعنا، ويضفي على لقاءاتنا طابعاً مميّزاً من الألفة والمودة».

مجلس «عيال زايد».. تواصل بين الأجيال
وهذه الصورة تنسحب على بعض أحياء وفرجان دبي، حيث تتآلف القلوب في مشهد يجسد كل مظاهر التآخي والألفة. وفي عجمان، تستمر التجمعات في رمضان، وغيره، ومجلس عيال زايد يحاول تعزيز استمرايتها. يقول راشد محمد البلوشي «هذا إرث أجدادنا، حيث نعلّم عيالنا الترابط الأسري والمجتمع، واستكمال مسيرة الأجداد. وخلال رمضان، تشهد عدد من مناطق عجمان، منها الرميلة، الكرامة، مشيرف، الروضة، الرقايب والحميدية، تجمعات أصيلة تتماهى مع«عام المجتمع»، وأهدافه «هذه التجمعات تعزز الروابط المجتمعية ما بين الأفراد، وبالأخص أن ديننا دعانا إلى تعزيز صلة الأرحام. فالترابط موجود، ولا يزال، ويمكن القول إن «مجلس عيال زايد» في عجمان -الرقايب 2 تطور بهمّة الشباب، وجمعاتنا لا تقتصر على رمضان، بل تكون على مدار العام حيث نلتقي مع أفراد في زيارات ورحلات إلى إمارات مختلفة يسود فيها التواصل بين أجيال مختلفة، والانخراط في أنشطة وبطولات رياضية».

ويجسد أحمد محمود محمد البلوشي، من إمارة أبوظبي، نموذجاً للشاب ابن الـ38 عاماً، والذي عايش مشهدين، مشهد طفولته في مدينة العين، والتجمعات الرمضانية اليومية في تلك المدينة، ومشهد تواجده اليوم في إمارة أبو ظبي، وفي العاصمة تحديداً، حيث يفتقد هذه الأجواء الرمضانية بالروحية نفسها، لكون المسافات بينه وبين الأهل باتت بعيدة.
بيد أن هذا لا يمنع البلوشي من معايشة أجواء التجمعات، مع الأصدقاء، وزملاء العمل خلال هذا الشهر الفضيل، يقول «أغلبية اللقاءات تتم بعد صلاة العشاء، والتراويح، سواء في المقاهي ،أو في مجالس الأصدقاء»، لافتاً إلى أن « في بعض المناطق، مثل بني ياس التي تتميز بجو اجتماعي أليف، يجتمع الصائمون بعد صلاة العشاء والتراويح، بشكل شبه يومي، وأنا أشارك في تلك التجمعات» مثنياً على روح رمضان التي يراها في عدد من إمارات الدولة، والتي تعيده إلى تجمعات مدينة العين عندما كان طفلاً.

مجلس مفتوح يجمع الأجيال
وفي صورة مشرقة لمنطقة بني ياس، في إمارة أبوظبي، تجسد عائلة الجد أبو بكر الحامد الهاشمي نموذجاً للتلاحم الأسري، والتواصل الاجتماعي، حيث يجمع أبناءه وأحفاده بشكل شبه يومي، في مجلسه، سواء في رمضان وعلى مدار العام، وهو تقليد متوارث.
في رمضان، تتعزّز هذه العادة أكثر ويصبح هذا اللقاء مقدساً، حيث استقوا من الجد السيد أبو بكر الهاشمي جماليات هذه اللمّة، وتماهيها مع التقاليد المجتمعية الأصيلة، فيجتمعون يومياً، ويستقبلون الزوار والمارّين، ومرتادي المسجد القريب، والذين يأتون بعد الصلاة لشرب القهوة، وقضاء وقت طيّب مع العائلة.
ويعتبر المجلس أحد المجالس المفتوحة، للقريب والبعيد، في مدينة بني ياس، ونموذجاً مشرفاً للتلاحم الاجتماعي، لجهة الحفاظ على تقاليد المجالس، وغرس هذه العادة في الأبناء والأحفاد، ومثالاً يحتذى في الحفاظ على الموروث، ليشكّل (أي المجلس ) «مدرسة»، تنقل فيها القيم والعادات من جيل إلى آخر.
* تصوير: جون فارجيس