11 مارس 2025

إنعام كجه جي تكتب: كل هذه الأفواه

صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس

مجلة كل الأسرة

أحببت أن يكون عنوان هذه الكلمة «أمّة من أفواه»، لكنني تراجعت عنه خجلاً. ليس كل أمتنا مرفّهاً، ويعاني الشراهة، والوزن الزائد. هناك من يسعى جاهداً للحصول على لقمة العيش لكي يشبع جوع أطفاله، وقد يجدها، ولا يجدها.. وغزّة ليست بعيدة.

أكتب وأنا غارقة في برامج الطبخ، ووصفات الطّهاة، وفي التسجيلات التي تحطّ على شاشة هاتفي، على امتداد الليل والنهار. كلها معِديّة، من المعدة لا من العدوى. وحجّتها أننا في الشهر الكريم. كيف يمكن لشهر ترويض النفس، والتعفف، والترفّع عن الشهوات، واختبار معاناة الفقير، أن يتحول إلى مهرجان للموائد التي ينتهي نصفها في صفيحة الزبالة؟

كان لدينا، في أول الموجة، «شيف» واحد شهير، أو اثنان. نراه على إحدى الفضائيات، ونتابع وصفاته، وقد نستفيد منها، أو نمرّ بها مرور الكرام. نتمسك بما تعلمناه من السيدة الوالدة، ولا ننوي التغيير، والتجريب، ونستنكر تقليعات «السوشي»، و«الفيتوشيني»، و«كفتة الصويا»، و«ستيك الطاووس». كنا أساتذة وأستاذات في الامتعاض، وتقليب الشفاه علامة التقزز. ثم اختلطت دول العالم في الخلّاط الكهربائي، وعاد أبناؤنا وبناتنا من جامعاتهم في الخارج لكي يطلبوا مذاقات لم نعهدها، وأطباقاً ما سمعنا بها.

التغيير جميل. واكتشاف مطابخ العالم فرصة لمعارف جديدة، وخبرات ثرية. لكن هذا شيء، وأن يتحول الفضاء الرقمي إلى مقصف كبير تشحذ فيه السكاكين والسواطير، شيء آخر. حاولت، في واحدة من مرّات جنوني، أن أحصي عدد قدور محشي ورق العنب التي تنقلب على شاشتي عبر مواقع التواصل، فوصلت إلى الرقم مئة، وتوقفت عن العد. كأن الدولمة هي اكتشاف العصر، رغم أننا عرفناها من الأيام التي كان فيها الدرهم من خشب.

أشعر أحياناً، وأنا أرى كل أولئك الطاهيات والطّهاة على الفضائيات، بأننا شعوب خُلقت لكي تأكل. وحتى من كان متقشفاً بيننا، أو نباتياً، أو يعاني مرضاً في المعدة والقولون، فإنه مدعو لركوب الموجة، والاستغراق في بحر الجاذبية الدهنية، شاء أم أبى. تصرّ السيدة أم فلان، هذا الصباح، على ضرورة أن تطلبي من الجزار كيلو ليّة خروف، لكي يأتي كبابك مثل كبابها، أدسَم وألَذْ. أرى الدهن يسيل ويلوّث شاشة التلفزيون، أو الهاتف.

نتبادل مع الصديقات أحاديث طويلة عن الرياضة، والتخسيس. السمنة مشكلة المشكلات. نذهب إلى الأطباء لكي يقيسوا لنا معدلات الكوليسترول، والجليسيريد، ويكتبوا لنا وصفات لمحاربة الزائد منها. نخاف من السكّري من دون أن تفارق أعيننا صور الكنافة، أو تنصرف أنوفنا عن روائح البقلاوة، والزلابية، وزنود الست. استقالت مطابخنا من وظيفتها، وصار المألوف هو طلب الوجبات عبر خدمات التوصيل. وجد آلاف الشباب في «الديلفري» مهنة يعيشون منها.

تدور في مدن عربية كثيرة تتحرّى أثر مكتبة كانت هنا، أو هناك، فلا تجد مكانها سوى مطعم لـ«البيتزا». مطاعم بعضنا أكثر من أحزابه، وأحزابه أكثر من همومه. حتى باعة الصحف تقلصوا، وما عاد الورق المطبوع يجد من يشتريه. متى نبتت كل هذه الأفواه؟ الكل يمضغ، ويتجشأ، ويُحمدل، ويمسح على بطنه، ويذهب لينام بعد الإفطار، وهو يحلم بالسحور.