12 مارس 2025

د. ماريا الهطالي: دورنا ضبط المحتوى الإفتائي.. والخطاب الديني لا ينفصل عن واقع الناس

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

مع حلول شهر رمضان المبارك، يزداد الطلب على الفتاوى الشرعية التي توجّه المسلمين  نحو العبادات الصحيحة، وتعزّز قيم التقوى والاعتدال. وفي هذا السياق، يبرز دور  مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي كمرجعية موثوقة لضبط الفتوى الشرعية وتوحيدها في الدولة، مستنداً إلى رؤية واضحة لتعزيز الوسطية والاعتدال، وحماية المجتمع من الفتاوى العشوائية، كما تبني الحلول الرقمية لضمان وصول الفتوى الصحيحة لكل أفراد المجتمع.

في هذا الحوار، نسلط الضوء على دور د. ماريا الهطالي، أمين عام مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، في قيادة هذه المهمة الحيوية، ومواكبة المجلس لمستجدات الحياة المعاصرة والجهود المبذولة لضبط الخطاب الإفتائي، كما نتطرق إلى معاني شهر رمضان، وكيفية استثماره في تهذيب النفس، وتعزيز علاقتنا بالقرآن الكريم، لنخرج منه بروح متجدّدة، وإيمان أعمق، ونحقق التوازن بين العبادات والمسؤوليات اليومية:

مجلة كل الأسرة

 كيف ترصدين دورك كأمين عام مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، وإلى أيّ مدى تحملين هذه المسؤولية على عاتقك؟

بصفتي أميناً عاماً لمجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، أرى أن دوري يتجاوز الإدارة اليومية إلى تحقيق رؤية المجلس، ورسالته؛ من خلال العمل على ضبط الفتوى الشرعية في الدولة، وتوحيد مرجعيتها، وضمان تقديمها للجمهور بأسلوب واضح، مستند إلى أسس علمية رصينة؛ تتماشى مع مقاصد الشريعة الإسلامية، وتحافظ على الهوية الوطنية، وتعزز قيم الوسطية والاعتدال، وتستشرف المستقبل.

كما تتجسد مسؤوليتي أيضاً، في ضمان أن تكون الفتوى الرسمية للدولة هي المصدر الأول والموثوق لكل من يبحث عن الرأي الشرعي، من خلال توحيد الجهود المؤسسية، واستخدام أحدث الوسائل، الرقمية والإعلامية، في  الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد، داخل الدولة وخارجها.

مهام مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي متعدّدة.. منها توحيد مرجعية الفتوى في الدولة

 إن أردنا تقريب الصورة للقارئ، ما المهام الرئيسة التي يتولاها مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي؟

قبل الإجابة عن سؤالكم، نشير إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد تأسست على حبِّ الريادة، والتميّز، والإبداع، والابتكار، منذ عهد مؤسّسها، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، ولا تزال في طموحاتها تتطلع نحو الارتقاء والتميّز، وهذا ما يشهده الواقع في عهد سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حيث أصدر القانون الاتحادي رقم (3) لعام 2024م، والذي بموجبه أصبح المجلس هو الجهة المخولة بإصدار الفتاوى الشرعية في الدولة. ويهدف المجلس إلى تعزيز مكانة الفتوى، محلياً وعالمياً، وتطوير السياسات المتعلقة بالفتوى، وتمكين المجتمع من فتاوى استباقية، وبناء نموذج حضاري يعزز سمعة الدولة، ورؤيتها الإنسانية.

أما عن مهام المجلس، فهي كثيرة، ومن أهمها:

  • إصدار الفتاوى العامة والمستجدّة: حيث يتولى المجلس إصدار الفتاوى في مختلف القضايا الفقهية، سواء المتعلقة بالعبادات، أو المعاملات، أو الأسرة، أو قضايا الشباب، وباللغات: العربية، والإنجليزية، والأوردو، وفق اجتهاد جماعي حضاري يراعي خصوصية المجتمع الإماراتي. كما يعالج المجلس القضايا الشرعية الطارئة، ويقدم الفتاوى الاستباقية التي تواكب المستجدات.
  • توحيد مرجعية الفتوى في الدولة: يهدف المجلس إلى الحد من فوضى الفتاوى العشوائية، من خلال ضبط المحتوى الإفتائي، والتأكد من أن جميع الفتاوى تصدر عن جهات معتمدة، ما يضمن استقرار المجتمع.
  • تنظيم شؤون الفتوى: يقوم المجلس بوضع السياسات والقرارات المنظمة للإفتاء، بالتنسيق مع الجهات المعنية، لضمان انسجام الفتاوى مع القوانين والتشريعات المعمول بها في الدولة.
  • تحرّي الأهلّة في الدولة: لقد أسند القانون الاتحادي رقم (3) لسنة 2024م في مادته رقم (7) لمجلس الإمارات للإفتاء الشرعي مهمة تحرّي الأهلّة، فقد جاء في نص القانون: من مهام المجلس مهمة: «تحرّي الأهلّة في الدولة، بما في ذلك رؤية وتحرّي هلال أشهر رمضان المبارك، وشوال، وذي الحجة، بالتنسيق مع الجهات المختصة».
  • إعداد الدراسات الشرعية والتدقيق في المحتوى الإفتائي: يحرص المجلس على إصدار أبحاث، ودراسات علمية متخصصة، بأسلوب علمي مبسط، يرسّخ قيم الوسطية والاعتدال.
  • تأهيل الكفاءات الإفتائية: بدأنا في المجلس ببرنامج إعداد الكفاءات الإفتائية الوطنية؛ الذي يُعنى بإعداد الكفاءات الإفتائية الوطنية، ويعمل على تنمية معارفها العلمية، والتطبيقية، والتخصصية، وفق أفضل الممارسات في منظومة الإفتاء الشرعي، انطلاقاً من رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة واستراتيجيتها الوطنية في استقطاب المواهب الوطنية، ورعايتها، وتهيئتها للمستقبل.
  • تقديم الخدمات الإفتائية بوسائل متعدّدة: يحرص المجلس على توفير الفتاوى للجمهور من خلال منصات إلكترونية، ومراكز اتصال، ووسائل إعلامية، لضمان سهولة الوصول إلى الفتوى الصحيحة من مصادرها الموثوقة.

وقمنا أخيراً، بإطلاق المنصة الرقمية للخدمات الإفتائية، وهي منصة موحدة تعمل على تنظيم عملية إصدار الفتاوى الشرعية، من خلال تقنيات حديثة تتوافق مع توجهات الدولة نحو الاستفادة من خدمات الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات الحكومية، وتقليل البيروقراطية، لتحسين تجربة المستخدم، وتسهيل البحث، والوصول إلى الفتاوى الشرعية، بيسر وسهولة، ومن ذلك التواصل المباشر مع المختص الشرعي، بالصوت والصورة.

مجلة كل الأسرة

وكيف يتعامل مجلس الإمارات للإفتاء مع القضايا المعاصرة التي قد تثير جدلاً وتحتاج إلى فتوى سليمة؟

مع التقدم العلمين والمعرفي، والصناعي، الذي يشهده واقعنا المعاصر؛ في مختلف مجالات الحياة: الصحة، والفضاء، والاقتصاد، والمناخ، والبيئة، والزراعة، والذكاء الاصطناعي.. ظهرت الكثير من القضايا المستجدة، والنوازل المعاصرة، وطرحت العديد من الإشكالات حول أحكامها الشرعية.

وحرصاً من المجلس على استدامة صناعة الفتوى المستوعبة لفقه الواقع، أصدر وثيقة أبوظبي «في الاستيعاب الشرعي للمستجدات العلمية»، في مؤتمره العالمي الثاني عام 2023م، والتي قدمت مرجعية علمية، وإطاراً محدداً لمناهج ضبط الفتوى في المستجدات العلمية، وأصول التعامل معها، من خلال مجموعة من المبادئ والمحدّدات؛ تضمن استدامة المنهج الإفتائي المعتدل، بواسطة تفعيل أدوات الاجتهاد الفقهي الحضاري، وفق المبادئ، والمقاصد،والكليات الشرعية.

الفتوى منهج متكامل يهدف إلى بناء أُسر مستقرّة تعزز التفاهم بين الزوجين، وتسعى لتحقيق بيئة أسرية قائمة على الاحترام والتقدير والمحبة

  كيف يمكن للفتوى الشرعية توعية الأسر للتعامل مع التحدّيات وتقليل المشكلات الأسرية وبالأخص بالتزامن مع «عام المجتمع»؟

لقد خصّص سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2025 ليكون «عام المجتمع» في دولة الإمارات تحت شعار «يداً بيد»، في مبادرة وطنية تجسد رؤية القيادة تجاه بناء مجتمع متماسك، ومزدهر. والفتوى الشرعية تلعب دوراً أساسياً في توجيه الأسرة نحو حياة مستقرة ومتوازنة، فالأسرة هي نواة المجتمع، وعندما تكون مبنية على أسس صحيحة من الفهم والوعي، فإن ذلك ينعكس إيجاباً على استقرار المجتمع.

فالفتوى ليست مجرّد إجابة عن مسألة شرعية، بل هي أداة تربوية تعزّز القيم الإسلامية، وتساعد الأفراد على التعامل مع قضاياهم؛ وفق رؤية متوازنة، كما أن الفتوى منهج متكامل يهدف إلى بناء أسر مستقرة، تعزز ثقافة المسؤولية والتفاهم بين الزوجين، وتسعى لتحقيق بيئة أسرية قائمة على الاحترام، والتقدير، والمحبة، تتبدى ثمارها الإيجابية على الأسرة والمجتمع، على حدٍّ سواء.

مجلة كل الأسرة

 ونحن في شهر رمضان المبارك، ما هي معاني هذا الشهر وكيف تواكبين هذا الشهر على الصعيد الشرعي؟

خلال شهر رمضان المبارك، يزداد طلب الفتاوى من مختلف شرائح المجتمع، ما يجعلنا في المجلس نكثف جهودنا لضمان وصول الفتاوى الصحيحة إلى أوسع نطاق للجمهور. لهذا أطلقنا مجموعة من المبادرات في هذا الشهر الفضيل، ومن أهم هذه المبادرات:

1- البرنامج الإثرائي للأئمة والخطباء: يقدم المجلس بالتنسيق مع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، والزكاة برنامجاً علمياً يستهدف أئمة وخطباء المساجد، بقصد توعية الأئمة والخطباء بأهم الأحكام الإفتائية لفقه الصيام، ومسائله المستجدة، والإجابة عن تساؤلاتهم الشرعية الإفتائية المرتبطة بأداء مهامهم في ما يخص قضايا وأحكام شهر رمضان المبارك.
2- الجلسات الإفتائية في المساجد: هذا البرنامج يأتي بالتنسيق مع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة؛ لاغتنام شهر رمضان الكريم من كل سنة، وتوعية المصلين بالأحكام الشرعية الإفتائية المتعلقة بهذه المناسبة المباركة، وللجواب عن الأسئلة التي قد ترد إليهم، من خلال تنظيم سلسلة لقاءات عبر مساجد مختلفة بمدينتي أبوظبي، والعين، يشرف عليها نخبة من الخبراء الشرعيين في المجلس.
3- نوافذ إفتائية: تقدم فيها محاضرات عن بعد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يتيح وصول الفتاوى الشرعية إلى الجميع بسهولة.
4-  إضاءات إفتائية: تعرض فيها فتاوى مرئية في الأماكن العامة، مثل المستشفيات، ومراكز التسوق، لضمان وصول الفتوى إلى مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك غير المتابعين للمنصات الرقمية.
5- الدروس العلمية في مجالس الأحياء: وذلك من خلال عقد حلقات نقاشية في مختلف مجالس الدولة؛ لتقديم المحاضرات التوعوية بأهم الفتاوى الشرعية المتعلقة بالشهر الفضيل.
6- البطاقات الإفتائية: نقوم بتبسيط مفاهيم الصيام والزكاة، وننشرها عبر بطاقات على وسائل التواصل الاجتماعي، لتصل إلى أوسع شريحة ممكنة.
7- الفيديوهات التوعوية: لشرح المفطرات وأحكام الزكاة، بأسلوب مبسط يستخدم الرسوم المتحركة.

مجلة كل الأسرة

 كيف يمكن أن يكون شهر رمضان فرصة لتهذيب الأخلاق؟ وكيف نوازن بين عباداتنا ومسؤولياتنا اليومية؟

يقول الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} (البقرة – 183). فشهر رمضان هو محطة إيمانية عظيمة تمنح الإنسان فرصة لمراجعة ذاته، وتقوية علاقته بالله عزّ وجل.

ولكن ينبغي لنا هنا تحقيق التوازن وترتيب الأولويات في شهر رمضان، من خلال تنظيم وقتنا بين العبادات، وأداء المسؤوليات، بحيث نحرص على القيام بالفرائض وأعمال الخير، من دون أن نهمل واجباتنا تجاه أسرنا، وعملنا، ومجتمعنا.

فرمضان ليس مجرّد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو فرصة للمسلم ليربّي نفسه على حسن الخلق، وليتخلق بالأخلاق الحسنة، ويلتزم بقيم التكافل والتراحم مع أفراد مجتمعه، فيحرص على مساعدة الفقراء والمحتاجين؛ من خلال الزكاة والصدقات؛ فتزداد الألفة والمودة بين الناس، وينعكس ذلك على الأسرة والمجتمع.

الخطاب الشرعي الناجح

 د. ماريا.. أنت حاصلة على ماجستير في الخطاب الشرعي وأهميته في الحوار، كيف يمكن للخطاب الشرعي الإسهام في التغيير وبناء مجتمع أفضل ومواجهة التحدّيات العالمية؟

الخطاب الشرعي هو إحدى أهم الأدوات التي يمكن توظيفها في تحقيق التغيير الإيجابي داخل المجتمعات، حيث يُسهم في نشر الوعي الديني المعتدل، وتعزيز التفاهم بين الثقافات، ومواجهة التحديات، الفكرية والاجتماعية، بطريقة متزنة، وعلمية، ومهنية. فعلى صعيد الخطاب الشرعي ودوره في بناء مجتمع متسامح ومتقد، فإن الخطاب الشرعي الناجح يتميز بقدرته على تحقيق التوازن بين الأصالة، والمعاصرة، بحيث يستند إلى النصوص الشرعية المعتبرة، والقواعد الأصولية والفقهية المثمرة، لكنه في الوقت ذاته يراعي المتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع.

ومن هنا، فإن دوره الأساسي يتمثل في:

  • تعزيز قيم التسامح والاعتدال: من خلال تقديم رؤية شرعية متوازنة تدعو إلى احترام الآخر، ونبذ التشدّد والتطرّف، كما أكدت ذلك وثيقة أبوظبي للاستيعاب الشرعي للمستجدات العلمية، التي دعت إلى اعتماد خطاب ديني منفتح، يتفاعل مع الواقع، ويراعي المقاصد الشرعية في تحقيق السلم المجتمعي.
  • نشر الوعي الشرعي الصحيح: من خلال دحض المفاهيم الخاطئة، وتصحيح الفتاوى المغلوطة التي قد تسبب اضطرابات فكرية، أو اجتماعية، بخاصة في عصر انتشار الفتاوى العشوائية عبر المنصات الرقمية.

وعلى صعيد آخر، لا بدّ للخطاب الشرعي  أن يستجيب  للتحدّيات العالمية، حيث يواجه العالم اليوم العديد من التحدّيات التي تحتاج إلى خطاب شرعي يتفاعل مع الواقع المتغير، ومن هذه التحدّيات: الذكاء الاصطناعي، والتطورات التقنية، ويتطلب الخطاب الشرعي فهماً عميقاً للتطورات التكنولوجية، وتأثيرها في حياة الناس.

وعلى سبيل المثال، الاستدامة وحماية البيئة، في ظل الاهتمام العالمي بالاستدامة، يجب أن يكون الخطاب الشرعي داعماً لهذا التوجه، مستنداً إلى المبادئ الإسلامية التي تدعو إلى الحفاظ على الموارد، وحماية البيئة، وقد خصصت دولة الإمارات عام 2023 للاستدامة.

  أطلقنا المنصة الرقمية للخدمات الإفتائية وهي منصة موحدة تنظم عملية إصدار الفتاوى الشرعية من خلال تقنيات حديثة

 ما هي قراءتك  لتجديد أو تطوير الخطاب الشرعي؟

تطوير الخطاب الشرعي لمواكبة العصر يستدعي العديد من النقاط . فلكي يكون الخطاب الشرعي مؤثراً وفعالاً، يجب أن يعتمد على:

  • لغة معاصرة يفهمها الجميع، بعيداً عن التعقيد الفقهي، بحيث يكون الخطاب قريباً من مختلف الفئات، العمرية والثقافية.
  • التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة، كما نصت عليه وثيقة أبوظبي، التي أكدت ضرورة إشراك أهل الاختصاص في مجالات العلوم المختلفة لفهم المستجدات، وصياغة خطاب ديني متكامل.
  • توظيف وسائل الإعلام الحديثة، من خلال إنتاج محتوى شرعي تفاعلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، لضمان وصول الخطاب الشرعي إلى أكبر شريحة من المجتمع.

فالخطاب الشرعي أداة قوية لبناء مجتمع أكثر وعياً واعتدالاً، ومن خلال تطوير هذا الخطاب يمكننا تحقيق محتوى إيجابي يعزز الاستقرار والتنمية المستدامة في المجتمعات، الإسلامية والعالمية.

مجلة كل الأسرة

  وكيف توظفين الخطاب الشرعي في سدّ الفجوة بين الأجيال وتعزيز الحوار الزوجي والمجتمعي؟

الخطاب الشرعي هو إحدى أهم الأدوات التي يمكن استخدامها لتقريب وجهات النظر بين الأجيال، وتعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة والمجتمع. فمع تسارع التغيرات الاجتماعية، أصبح من الضروري تطوير خطاب شرعي يتسم بالمرونة والقدرة على التواصل مع مختلف الفئات، العمرية والثقافية:

1- سدّ الفجوة بين الأجيال من خلال الخطاب الشرعي: تشهد المجتمعات اليوم تبايناً كبيراً في الأفكار والقيم بين الأجيال المختلفة، ما قد يؤدي إلى فجوة ثقافية بين الآباء، والأبناء. ولتجاوز هذه الفجوة، لا بدّ أن يكون الخطاب الشرعي قادراً على:

  • مخاطبة الشباب بلغتهم: من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والإجابة عن تساؤلاتهم بأسلوب يتناسب مع تفكيرهم، واهتماماتهم.
  • إعادة ربط الأجيال بالقيم الإسلامية: من خلال تقديم الإسلام كمنظومة قيمية شاملة تحترم العقل، وتعزز الهوية والانتماء.
  • تفكيك الصور النمطية: بتوضيح أن الإسلام دين متجدّد يستوعب التطورات الحديثة، كما أكدت وثيقة أبوظبي ضرورة مواكبة الفتوى الشرعية لروح العصر، من دون التفريط في الثوابت الشرعية.
  • التحصين من التطرف الفكري: يتمّ من خلال نبذ النظرة الاجتزائية للنصوص الشرعية، وفكّ الارتباط بين الخطابين التكليفي والوضعي.

 2- دور الخطاب الشرعي في تعزيز الحوار الزوجي والمجتمعي: تعاني العديد من الأسر غياب لغة الحوار بين الزوجين، ما يؤدي إلى تزايد المشكلات الأسرية...

ويمكن للخطاب الشرعي أن يسهم في حل هذه المشكلات من خلال:

  • التحدّيات الاجتماعية والأسرية: لا بد أن يسهم الخطاب الشرعي في معالجة القضايا الأسرية، من خلال تعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتقديم حلول شرعية متوازنة تحفظ استقرار الأسر.
  • إبراز أهمية الحوار في الإسلام: حيث إن تعاليم الإسلام تؤكد ضرورة التشاور والتفاهم بين الزوجين، استناداً إلى قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف)، (النساء: 19).
  • تقديم نماذج عملية لحل الخلافات: عبر إبراز تجارب ناجحة لأسر استطاعت تجاوز الأزمات بالحوار والتفاهم، ما يجعل الخطاب الشرعي أكثر واقعية وتأثيراً.

3- توظيف الخطاب الشرعي في تعزيز الحوار المجتمعي بـ:

  • تعزيز ثقافة التسامح والتعايش: من خلال خطاب شرعي يدعو إلى نبذ التعصب، واحترام التنوّع الثقافي، ويؤكد أهمية التعاون بين الأفراد لخدمة المجتمع.
  • مواجهة خطاب الكراهية: عبر ترسيخ قيم الاحترام المتبادل بين مختلف الفئات، كما أشارت وثيقة أبوظبي إلى أهمية تجنب الفتاوى التي تعزز الانقسامات داخل المجتمعات.
  • تحفيز الشباب على المشاركة المجتمعية: من خلال خطاب شرعي يبرز دور الشباب في بناء المجتمع، ويشجعهم على المساهمة في المشاريع التنموية، والخيرية.

فالخطاب الشرعي المتزن ليس مجرّد وسيلة لنقل الأحكام الشرعية، بل هو أداة فعالة لبناء جسور التواصل بين الأجيال، وتعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة والمجتمع. ومن خلال تطويره ليكون أكثر واقعية وارتباطاً بحياة الناس، يمكننا خلق بيئة أسرية واجتماعية يسودها التفاهم، والانسجام.

مجلة كل الأسرة

مواكبة لشهر رمضان المبارك، كيف يمكن استعادة وتعميق علاقتنا بالقرآن الكريم خلال هذا الشهر الفضيل وغيره من الأشهر؟

نستعيد علاقتنا بالقرآن الكريم بـ:

1- التلاوة اليومية المنتظمة: أفضل وسيلة لتعميق علاقتنا بالقرآن هي أن يكون لنا ورد يومي ثابت من التلاوة، مهما كان حجمه. فالمداومة على قراءة القرآن تزرع في القلب محبة كلام الله، وتخلق انسجاماً إيمانياً يعين المسلم على مواجهة تحدّيات الحياة.
2- التدبّر والفهم: القرآن ليس كتاباً للتلاوة فقط، بل هو رسالة تدعو إلى التأمل والتفكر في آيات الله. قال تعالى: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)، (محمد: 24). لذلك من المهم تخصيص وقت لتفسير الآيات، والبحث عن معانيها، وربطها بواقعنا المعاصر، حتى يصبح القرآن مصدر إلهام حقيقي في حياتنا اليومية.
3- العمل بما في القرآن: العلاقة الحقيقية مع القرآن تظهر في تطبيق تعاليمه في الأخلاق، والمعاملات. رمضان هو فرصة ذهبية لنعيش معاني القرآن في حياتنا، من خلال الصدق، والأمانة، والرحمة والتسامح، وحسن الظن، وخدمة الآخرين.
4- الاستماع إلى القرآن الكريم: في زمن الإيقاع السريع للحياة، قد لا يجد البعض وقتاً كافياً للقراءة المطولة، لكن الاستماع إلى القرآن خلال التنقل يمكن أن يكون وسيلة رائعة لاغتنام والوقت، ولتعميق العلاقة مع القرآن الكريم.
5- تحفيظ القرآن للأبناء: رمضان فرصة عظيمة لغرس حب القرآن في قلوب الأبناء، من خلال جلسات عائلية يومية لتلاوة القرآن، وحفظه، ومشاركة قصصه وعِبره، ما يخلق ذكريات إيمانية جميلة تدوم معهم مدى الحياة. وكذلك توجيه الأبناء إلى مراكز تحفيظ القرآن المنتشرة في أرجاء الدولة.
6- صلاة التراويح والتهجّد: صلاة التراويح والتهجد في رمضان هي من أجمل الطقوس الروحية التي تُعزز العلاقة مع القرآن، حيث يُتلى في الصلاة، ويشعر المسلم بقرب خاص من الله، ويتذوّق حلاوة الإيمان والخشوع.

وفي أجواء هذا الشهر الفضيل، ما هي رسالتك؟

شهر رمضان المبارك هو موسم استثنائي، تتجدّد فيه الأرواح، وتصفو النفوس، وتتفتح القلوب لاستقبال أنوار الإيمان. وفي هذا الشهر العظيم، تتنزل البركات، وتُستجاب الدعوات، ويكون القرآن الكريم هو النور الهادي الذي يضيء دروبنا، فهو ليس مجرد كتاب يُتلى، بل رسالة إلهية تُحيي القلوب، وتُهذب الأخلاق، وتُوجه الإنسان نحو الخير والحق.

رسالتي في هذا الشهر الفضيل هي دعوة صادقة، لكل مسلم ومسلمة، إلى جعل القرآن الكريم محور حياتهم اليومية في رمضان، وأن تكون تلاوته وتدبره جزءاً أصيلاً من برنامجهم الروحي، لا مجرّد عادة رمضانية تنتهي مع انتهاء الشهر. فالعلاقة الحقيقية مع القرآن هي تلك التي تبني في النفس إيماناً عميقاً، وتُثمر أخلاقاً سامية، وتدفع الإنسان إلى العمل الصالح، في كل وقت وحين.