باءت العروض التجارية لفيلم فرانسيس فورد كوبولا الأخير، «ميغالوبوليس»، بإخفاق شديد على الصعيدين، النقدي والتجاري. صاحب «العرّاب» صرف 120 مليون دولار من جيبه الخاص لإنجاز هذا الفيلم الذي لم تقم أيّ شركة إنتاج هوليوودية بتبنّيه. لكن نظرة جادة على الفيلم تكشف عن عمل رائع، وبديع، يجمل رؤية لم تعد هوليوود توفرها في أفلامها الحديثة.
داعب هذا الفيلم خيال المخرج فرانسيس فورد كوبولا منذ 1974. لكنه كان يحتاج إلى تمكين نفسه كاسم فني كبير، ولامع. ما بين 1972 و1974 أنجز ذلك، لكن الوقت لم يكن مناسباً. ربما لم تتكوّن معطيات الفيلم بوضوح آنذاك، أو ربما أدرك أن رؤيته ستصطدم بمعيقات مادية. وفي عام 2001، إثر الهجوم الإرهابي على نيويورك، عاد إلى الفكرة، لكنها كانت تحتاج إلى مزيد من الكتابة، والقليل من الانفعال.
انتظر كوبولا الوقت المناسب الذي هو الجاري، وأدرك أنه قد لا يحقق فيلماً آخر بعد اليوم، وأن عليه- إذا ما أراد تحقيق هذا الفيلم فعلاً- أن يموّله من جيبه. المشروع كبير، ومعقد، وكثيف الجوانب البصرية، وفيه كم كبير من الممثلين، وأجواء وتصاميم فنية وديكوراتية كبيرة. لم يبخل كوبولا على حلمه، بل وضع ثروة بلغت 130 مليون دولار مدركاً أنه سينجز فيلماً من الصعب جذب الجمهور الكبير إليه. جمهور «العرّاب» (بجزأيه الأول والثاني)، وجمهور «المحادثة»، أو حتى «القيامة الآن» لجأ في معظمه لأفلام المؤثرات البصرية والبطولات الفارغة. الطريق الذي لم يخضه كوبولا من قبل، أو لم تُثر اهتمامه.
شباب دائم
جمع للفيلم أسماء رنانة: أدام درايفر في دور سيزار، ولورنس فيشبورن، وداستين هوفمن، وجون فويت، وشايا لابوف، لجانب أخرى غير معروفة على نطاق واسع: نتالي إيمانويل، وأوبري بلازا، وجيان كارلو إسبوزيتو، وعشرات آخرين.
أول ما يعنيه الفيلم لمحبّيه أنه عمل يستقي تفرّده وإبداعه من مخرج لا ينوي أن يهزمه الواقع. في هذه السن المتقدمة (86 سنة)، يبرهن كوبولا على شباب لا يتمتع به حالياً، إلا القلة النادرة من المخرجين حول العالم. تتجلى هذه الروح باندفاع حماسي لتكوين أسلوب متحرر من القواعد، ومملوء بتأليف بصري، وتصميم فني، وتوليف غير منظور على هذا النحو، حتى في فيلم أمريكي، باستثناء رائعة كوبولا Apocalypse Now سنة 1983.
مطلوب من هذه الشخصيات الماثلة الترميز للشخصيات التي عاشت في زمن قياصرة روما (كاليغولا، سيزار، سيسيرو، كراسوس إلخ…) وهي تفعل ذلك، لكن ليس بلباس تاريخي، ولا تقع أحداث الفيلم أساساً في حقب تاريخية. إنه عن عالم معاصر يدمج اليوم بالمستقبل، لكنه يتحدّث عن الآفة التي لا تعرف تميّز العصور: السُلطة والجاه، حين لا تستند إلى نفع عام. في نظر كوبولا، ما حدث للإمبراطورية الرومانية هو الفساد، واستفحال التنافس على المصالح الشخصية. عناصر لنهاية عالم عهدناه، ولو أنه يتحدّث عن أمريكا، السّلطة العالمية الأولى في العالم.
آدم درايفر هو مصمم معماري ذو رؤية مستقبلية لتحويل المدينة التي يعيش فيها (اسمها في الفيلم «روما الجديدة» لكنها تماثل نيويورك)، إلى صرح شامخ بمادة اكتشفها (لا يتوقف الفيلم عند تفاصيلها)، ستنقل الحاضر إلى المستقبل. يقاوم عديدون، من بينهم محامي المدينة (إسبوزيتو)، انطلاقاً من مصالح خاصّة. في مطلع الفيلم نرى أدام درايفر، في دور مصمم المعمار اللاتيني سيزار، يتقدّم فوق حافة مبنى شاهق، ثم يقف ناظراً إلى حيث الشارع المكتظ بالحركة. يمنحنا المخرج الاعتقاد بأن سيزار يفكّر في رمي نفسه منتحراً، بل هو يرفع قدمه كما لو كان سيخطو بها في الفراغ. الصورة تتجمّد عليه، والشارع يتوقف عن الحركة للحظات، ثم تستكمل، ويعود سيزار عمّا جال في باله.
ما جال في باله هو وضع نهاية لعالم لم يعد قادراً على المشاركة فيه، إلا بالتنازل، وسنرى تباعاً بعد ذلك ما يمرّ به من إخفاقات، وما يعتريه من حالات، وأزمات. هو، كفنان ومثقف وثري، حلقة وسط صراع بين من يطلب التغيير والتقدم للمجتمع، ويتمثّل ذلك في محافظ المدينة (جيانكارلو إسبوزيتو)، وبين مناوئي مشاريع المحافظ، من نافذين وسياسيين. يرتاب المحافظ في خطط سيزار لبناء صرح لمدينة مستقبلية باسم «ميغالوبوليس»، لكن ابنته (نتالي إيمانويل) التي تحب سيزار، تحاول إقناع والدها بقبول أفكار من تحب.
بتمدد هذا الصراع بين المحافظ ومناوئيه، وبين إحباطات سيزار ومصاعبه، يواصل الفيلم سرد أحداثه، مرتكزاً على ذلك الصراع، ومانحاً إياه ألواناً درامية متعدّدة، لجانب أنواع مختلفة من الفنون. هو سوريالي هنا، وتعبيري هناك، والسّرد المتحرر من التقليد طوال الوقت.