12 مارس 2025

لماذا حقق مسلسل «أشغال شقة جداً» نجاحا ساحقاً.. فنياً واجتماعياً؟

فريق كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

من بين عدد كبير من الأعمال الدرامية خلال المواسم الرمضانية الأخيرة، تبرز واحدة من أهم مشاكل الدراما، وهي مشكلة «النص»، أو الكتابة للكوميديا تحديداً، في ظل اعتماد أغلب صنّاع الدراما على ما يطلق عليه «ورش الكتابة»، والتعامل مع «النص» الكوميدي على اعتبار أنه الجانب الأسهل في الدراما، ما أسفر عن خروج أعمال أطلق عليها «كوميدية» مجازاً، ولكنها في الواقع يغلب عليها الاستسهال، والارتجال اللحظي أثناء التصوير، لتكون النتيجة أعمالاً «مشوّهة» درامياً.

ولكن هناك بطبيعة الحال استثناءات قليلة، استطاعت أن تقدم كوميديا حقيقية، اعتماداً على مجموعة من العناصر الأساسية، في مقدمتها نص مكتوب بحرفية عالية، ورؤية بصرية، وإخراج فاهم، إضافة إلى الأداء التمثيلي، لتضمن تقديم عملاً ناجحاً.

مجلة كل الأسرة

«أشغال شقة جداً».. كوميديا جديدة

من بين هذه الأعمال، وللعام الثاني على التوالي في الدراما الرمضانية، يحقق مسلسل «أشغال شقة جداً» نجاحاً كبيراً، خلال موسمه الثاني، الذي كتبه الأخوان خالد وشرين دياب، وأخرجه خالد دياب.

المسلسل حقق نجاحاً لافتاً وملحوظاً، تصدّر به الأعمال الكوميدية للعام الثاني، وسط حشد كبير من الأعمال، وكبار النجوم، من دون ضجيج، أو اصطناع «هالات» زائفة من النجاح الوهمي، التي تخصص البعض في صناعتها عبْر وسائل التواصل الاجتماعي. غير أن المدهش والمثير هو ما سبق وصرّح به صنّاع العمل، وكاتبا المسلسل، من أن الفكرة مكتوبة منذ ما يقرب من خمس سنوات، وتم رفضه من كل شركات الإنتاج التي عرض عليها، إلى أن تمت الموافقة عليه العام الماضي، وسط تخوف من شركة الإنتاج من عدم تحقيق النجاح المطلوب.

كما أن معظم الممثلين رفضوه، سواء كان الرفض من النجوم الذكور، أو الإناث، ووافق عليه نجم واحد فقط، تحمّس للعمل، ووقّع على بطولته، لكنه طلب العديد من التغييرات، ربما أهمها تغيير مهنة بطل العمل من طبيب شرعي إلى أخرى، بل إنه طلب إلغاء فكرة العاملات في المنزل، وهي جوهر العمل، خصوصاً أن الفكرة سبق تقديمها في السينما منذ أكثر من 55 عاماً، بعنوان «صباح الخير يا زوجتي العزيزة»، الذي كتبه سامي أمين، وأخرجه عبد المنعم شكري، ولعب بطولة الزوجان، صلاح ذو الفقار، ونيللي، وحقق وقتها نجاحاً كبيراً، ولا يزال، إلى أن وافق عليه الفنان هشام ماجد، وآمن بفكرة العمل، بل وآمن بقدرة خالد دياب على إخراجه.

رفض شركات الإنتاج للعمل في البداية، ربما يوضح الفجوة الكبيرة بين رؤية صناع الدراما والجمهور في شكل الدراما الاجتماعية، أو الكوميدية المطلوب تقديمها، في ظل اعتماد الأغلبية العظمى من الأعمال الاجتماعية على أعمال العنف، والبلطجة، والحركة، تلبية لشريحة بعينها، غير أنها تظل بعيدة تماماً عن الشكل الاجتماعي للطبقة الوسطى، أو الطبقة الشعبية، التي لا تزال تحتفظ بعاداتها، وتقاليدها، وهو ما وجده الجمهور في «أشغال شقة جداً».

مجلة كل الأسرة

معاناة في قالب كوميدي

تدور أحداث المسلسل في إطار عائلي كوميدي، من خلال الزوجين «حمدي وياسمين»، حيث يعمل الزوج كطبيب شرعي، ويقع في العديد من المشكلات بسبب عمله، ويتورط في قضايا يحاول حلّها، أما الزوجة فهي مذيعة، وتعاني أيضاً بسبب المنافسة، ومحاولة أن تجعل برنامجها ينجح، وتصبح «ترند»، ليواجها  عدّة مواقف طريفة، سواء مع أبنائهما، أو في مجالات عملهما.

استطاع العمل أن يرصد بشكل كوميدي معاناة زوجين في العصر الحالي، حيث يحاول الزوجان الحصول على من يساعدهما في بيتهما، ولأن الزوجة شابة في مقتبل العمر، كان لابد من البحث عن سيدة لهذه المهمة، وهو أمر بالغ الصعوبة في هذا العصر، في ظل محدودية دخل الزوجين، وارتفاع أجور مساعدات المنزل، فضلاً عن ضرورة توفير مواصفات خاصة جداً، من الأمانة، والنظافة، وعدم إفشاء الأسرار، وتلبية طلبات الزوجين، وأطفالهما.

هذه المعاناة في البحث عن «سيدة» تساعد بطلي العمل في منزلهما، لم تشغل كاتبَي المسلسل عن بقية أشكال المعاناة التي يلقاها كل من الزوجين في حياتهما العملية، حيث رصد العمل في حلقاته الأولى معاناة الأم بعد الولادة، ومشاعر القلق التي تسيطر عليها، ومن دون تقديم الموضوع بصورة مباشرة، فضلاً عن خوفها وقلقها على عملها، وأنها قد تخسر فرصة مهمة في عملها، فقط لأنها ابتعدت قليلا بسبب الإنجاب. إضافة إلى المشاكل والأزمات التي تمرّ بها الأم في البداية، وكيفية التعامل مع الطفل، وصولاً، في الجزء الثاني، إلى البحث عن تحقيق حلمها بالشهرة، سواء في البحث عن فرصة للتمثيل، أو شهرة الـ«سوشيال ميديا».

في مقابل ذلك، يخترق كاتبا المسلسل عالماً جديداً على الدراما المصرية، من خلال مهنة الزوج، حيث يعمل طبيباً شرعياً، وصديق البطل طبيب معاون له، وما يواجهانه من مشاكل يومية في عملهما في الطب الشرعي، من مواقف متأزمة، وكارثية أحياناً، حيث نجح كاتبا المسلسل، ومخرجه، في استخدام توليفة كتابية مختلفة غير قائمة على «الإفيهات»، والاعتماد على المواقف النابعة من الدراما، في ظل بطولة جماعية، من دون الاعتماد على البطل الواحد، مع استعراض العديد من تفاصيل الحياة الاجتماعية اليومية لأسرة من الطبقة الوسطى، بشخصيات حيّة، مكتوبة بعناية تترك بصمة لدى الجمهور، إلى جانب تقديم رؤية بصرية تظهر في كل مشهد، عبر العديد من التفاصيل، ولغة الجسد، وتعبيرات الوجه، وتلوين الصوت.

تسارع الأحداث

تم تقديم كل موسم من الموسمين عبر 15 حلقة، لذا لم يكن هناك مطّ، أو تطويل للأحداث، وهي ميزة لم يستطع عدد كبير من المسلسلات استغلالها بالشكل الأمثل، على قصر عدد الحلقات، في الوقت الذي استطاع «أشغال شقة جداً» استغلالها بشكل جيد، وتقديم أحداث سريعة، ومتلاحقة تخدم الدراما، دفع الجمهور لتقديم مزيد من الحلقات، وأجزاء جديدة من العمل.

مجلة كل الأسرة

تواجد مختلف ومتنوع لضيوف الشرف

كل حلقة كان يظهر فيها ضيف شرف، وكل المشاركين في المسلسل أضافوا إليه، كل فنانة قدمت دور مساعدة المنزل مع اختلاف كل قصة عن الأخرى، واختلاف النهايات أيضاً. ولم يكن ظهور ضيوف الشرف ظهوراً عابراً، مجرّد شخصيات تدخل وتخرج مع بطلي العمل، من دون تأثير، بل تمت كتابة شخصيات الضيوف بعناية فائقة، لتبدو مؤثرة وفاعلة في الأحداث، تدفع بها للأمام، مثلما جاء في الموسم الأول عبر شخصيات «أم صابرين» التي قدمتها انتصار، وشخصية «فاطمة» التي قدمتها إيمان السيد، و«صفية» التي جسّدتها إنعام سالوسة، و«فايزة» التي جسّدتها مي كساب، كذلك شخصية «هناء» التي جسّدتها نهى عابدين، و«آيلا» التي جسّدتها ريم خوري. ثم استخدم السيناريو كل ضيوف الشرف بذكاء شديد، عندما تعرّض الزوجان لأزمة داخل شقتهما، فلجآ إلى «مساعدات المنزل» اللاتي سبق طردهنّ من قبل، من العمل، ليساعدنهما على استعادة شقتهما. كذلك ظهور عدد كبير من النجمات في الجزء الثاني، بأدوار ضيف شرف، مثل آية سماحة، دينا ماهر، ناهد السباعي، نسرين أمين، ألفت إمام، وسوسن بدر، إلى جانب عودة انتصار لتقدم نفس الشخصية التي ظهرت بها في الموسم الأول، وغيرهن، فضلاً عن النجوم الرجال، ليجسد الضيوف أدواراً فاعلة في الأحداث تفجّر من خلالهن العديد من المواقف الكوميدية، المكتوبة بعناية كبيرة.

مجلة كل الأسرة

ثنائية جديدة

يُعد مسلسل «أشغال شقة جداً» أول مسلسل بطولة لهشام ماجد، بعيداً عن شيكو، بعدما حققا سوياً نجاحاً كبيراً في مسلسل «اللعبة»، وتمكن هشام ماجد من تحقيق النجاح، وتكوين ثنائية جديدة مع الفنان مصطفى غريب، عبر شخصية «عربي» التي حققت نجاحاً كبيراً، من خلال العديد من المواقف الكوميدية المكتوبة بعناية شديدة، وغير المفتعلة، حيث تنبع الكوميديا من قمة الأزمات التي يمرّان بها، من خلال عملهما في الطب الشرعي، وما يمرّ عليهما من حالات يقومان بتحليلها، أو تشريحها. فضلاً عن الأداء البارع من بطلة العمل، أسماء جلال، في دور الزوجة «ياسمين»، والحماتين شرين وسلوى، محمد علي، ورئيس القسم في مصلحة الطب الشرعي، محمد عبد العظيم، والطبيب الشامل الذي يعمل بكل التخصصات «دكتور غندور» الذي قدمه الفنان محمد محمود، وبقية فريق العمل، أحمد عبد الوهاب، حازم إيهاب، محمد محمود، وأحمد الرافعي.

مجلة كل الأسرة

صور مسموعة للـ«سوشيال ميديا»

استغل صناع المسلسل الـ«سوشيال ميديا» بذكاء كبير، من خلال تقديم مشاهد ضمن أحداث المسلسل، ثم الترويج لها بعد ذلك بجملة «صور يمكنك سماعها»، عبر «كومكس»، و«ستيكرز» جديد، بكلمات يتم استخدامها في حياتنا اليومية، مثل حركة «أم صابرين»، عندما يطلب منها أيّ من الزوجين أي شيء، وغيرها من الحركات والكلمات، التي حفرها أبطال العمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

* إعداد: ماهر زهدي