حالي حال غيري من الملايين الذين ينتظرون مسلسلات رمضان، وتنتابهم الحيرة في التنقل بين هذه القناة، وتلك. إن الشهر الكريم هو أكرم ما يكون على الشاشة الصغيرة، ويحتاج الأمر إلى يومين، أو ثلاثة، لكي نقرّر ما الذي ينسجم مع ذائقتنا، وينال إعجابنا، من بين عشرات المسلسلات. بعد ذلك تبدأ المتابعة اليومية، مثل موعد غرامي يصعب تجاهله. وحتى لو كانت هناك مواقع تعيد تقديم الحلقات، أو مواعيد تالية لبث كل حلقة، فإن لا شيء يعدل متعة مشاهدة البث الأول.
هذه المرة استقر قراري على المسلسل المصري (النص). أعرف أن هناك مسلسلات سورية، وخليجية، وتركية، جميلة، لكنني أمرّ بها مرور الكرام، من دون أن يتعلّق بها قلبي تعلّقه بـ(النص). لماذا؟
لأنني أحب التاريخ القريب، ومرحلة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، بالتحديد. إنه عصر الأناقة المحتشمة، والمدن الهادئة، والأفلام التي تعرّفنا فيها إلى فاتن حمامة، وشادية، وشكري سرحان، وأحمد مظهر، ونادية لطفي، وعماد حمدي. ويؤسفني أن لي قريباً لا يحب عماد حمدي، ويسخر منه لأنه ينادي والدته في الأفلام «يا نينا»، مثل صغار المراهقين، مع أنه رجل له شاربان. بل إن قريبي اعتاد أن يغيظني بالقول إن عماد حمدي جاء إلى الدنيا بشوارب.
أحببت (النص) لأنه مسلسل يجمع بين جودة السيناريو، وجمال التمثيل، والحوار الملغوم بخفة الدم، في كل جملة. وهو ليس من كتابة مؤلف واحد، بل حصيلة ورشة مؤلفين تعاونوا على صياغته، بقيادة عبد الرحمن جاويش. وطبعاً، كل ذلك بفضل المخرج حسام علي الذي عرف كيف يحوّل الورق، أيّ النص المكتوب، إلى مشاهد تبدو في كثير منها كأنها نتاج أفخم استوديوهات هوليوود.
لا أعرف كيف لم انتبه من قبل إلى براعة بطل المسلسل الممثل أحمد أمين. أنت تقرأ في نظراته الفهلوة، والجدعنة، وخفة الروح، في لقطة واحدة. وبهذه الموهبة أجاد تجسيد شخصية عبد العزيز النص، النشال التائب الذي اكتشف أن الباشوات حرامية، فقرر أن يكون مع عصابته حرامية باشوات.
وقد رأينا على الشاشة كثيرين قاموا بدور الشخص الذي يجد صعوبة في النطق، لكن ما قدمه لنا الممثل حمزة العيلي الذي يقوم بدور درويش، هو أداء عبقري جعل منه بطلاً ثانياً للمسلسل، ومثله الولد المراهق ذو الجسم الهائل زقزوق، الذي يقوم بدوره الممثل الشاب عبد الرحمن محمد.
مع هؤلاء هناك أسماء أبو اليزيد التي أدّت دور المرأة «الغلبانة» رسمية التي تعيل طفلة مريضة. ويمكن القول، من دون مبالغة، إنها أجمل وجه مصري الملامح ظهر على الشاشة في السنوات الأخيرة. إنها تشبه بنات البلد اللواتي كنا نطالع رسومهن على أغلفة الطبعات الأولى لروايات نجيب محفوظ.
والمسلسل ما زال جارياً، وأعرف أن الحكم عليه لا يجوز قبل مشاهدة جميع الحلقات. لكنني حسمت أمري وقرّرت أن أعطيه الأولوية، من دون تردّد. والجميل أنه في نهاية كل حلقة نقرأ على الشاشة معلومات تاريخية، موجزة ولطيفة، عن أبرز ما ورد فيها من عادات، أو أحداث، أو أزياء. وقد وردت في المسلسل عبارات ساخرة كثيرة تستحق أن تكون عناوين للصحافة، لكن واحدة منها استقرت في ذهني وردت على لسان النشال وهي: «ده حضرة الضابط طلع نص كمان».