13 مارس 2025

من الوسترن إلى الخيال العلمي وما بينهما.. وجوه صراع الخير والشر في السينما

ناقد ومؤرخ سينمائي، وُلد وترعرع في بيروت، لبنان ثم هاجر إلى الغرب حيث ما زال يعيش إلى الآن معتبراً السينما فضاء واسعاً للشغف

مجلة كل الأسرة

في أفلام الغرب الأمريكي (القديم منه والحديث)، تيمة واسعة الانتشار حول الغريب الذي يصل إلى البلدة، ليكتشف أن هناك شريراً يمتلك الكلمة الفاصلة في ما يخص كل شيء فيها. الأغلب هنا أن الشرير هو من طبقة أعلى من طبقة باقي قاطني البلدة. هو شخص جشع يُقاتل ويقتل في سبيل السيادة على البلدة، أو المقاطعة، لأن ذلك سيزيد من دخله.

مجلة كل الأسرة

يتبدّى ذلك، على سبيل المثال فقط، في فيلم مارتن سكورسيزي الأخير «قتلة فلاور مون»، (2023)، حيث يعمد صاحب المصرف إلى الجريمة ليؤمّن وراثة أغنياء من غير البيض. وفي Shane لجورج ستيفنز (1953) مشروع استيلاء على الأراضي الزراعية يتصدّى له غريب (ألان لاد)، دفاعاً عن المزارعين. وفي «غير المُسامَح» (Unforgiven) لكلينت ايستوود (1992)، المواجهة بين فلاّح فقير (ايستوود)، الذي يقوم بمهمّة قتل مدفوعة الأجر، وبين شريف البلدة (جين هاكمن)، الذي يمثّل السُلطة.

مجلة كل الأسرة

ويمكن الذهاب بعيداً إلى مغامرات «زورو»، لأنها تقوم على هذا النحو من السُلطة، يواجهها مقاتل مقنّع هدفه مساعده العامّة من الناس.

لا غنى عن معاينة أدب وليام شكسبير، والأفلام التي تم تحقيقها عنه (بالمئات). إنه الصراع على السُلطة لكن بين مالكيها، كما الحال في «هاملت»، و«ماكبث»، و«الملك لير».. وهي حتى في «روميو وجولييت»، حيث العاشقين غير متساويين اجتماعياً، وفي «تاجر البندقية» حيث المرابي هو بمثابة الدولة العميقة، في مفهوم اليوم.

مجلة كل الأسرة

والدولة العميقة موجودة في فيلمين من السبعينيات لمخرج واحد، هو ألان ج. باكولا، وهما «كل رجال الرئيس» All The President's Men في 1976، خصوصاً «المنظر المختلف الزاوية» (A Parrallax View)، حيث يكتشف الصحفي وجود نظام داخل النظام الأمريكي يُدير البلاد.

لكن الأمر لا يحتاج إلى أفلام تعالج وضعاً فعلياً، أو ذات دلالات واضحة لكي يتم تصويب السهم إلى السُلطة. قد يكون الوضع في نطاق المخلوقات الفضائية التي تزور الأرض لحكم من عليها، كما في «حرب العالمين» (War of the World)، بنسختي بايرون هسكِن (1957)، أو ستيفن سبيلبرغ (2005). أولهما يتبع تياراً من أفلام الخيال العلمي حول مخلوقات تريد استعمار هذا الكوكب، من بينها «هو من الكوكب الآخر» It From The Other Planet لجاك أرنولد (1953)، وInvasion of the Body Snatchers «ناهشو الجسد» لدون سيغل (1956).

مجلة كل الأسرة

نظرة إلى سلسلة «ستار وورز» (وعلى الأخص ثلاثيّتها الأولى) تأتي بنماذج عن الصراع ضد السُلطة المتمثّلة في شخصية «دارث فادر». وفي فيلم سبيلبرغ الجيد The Minority Report في 2002 حكاية تقع في المستقبل، حيث النظام الذي يحكم الولايات المتحدة، حسب الفيلم، يسيطر على كل همسة وحركة يأتي بها الفرد.

مجلة كل الأسرة

توقعات جورج أوروَل

ما تبديه بعض الأفلام كقراءات خلفية (أو بين اللقطات)، هو واضح للعيان في أفلام أخرى. رواية جورج أوروَل «1984»، هي عن العالم وقد أصبح محكوماً بنظام فاشي. ليس أن ذلك حدث في الثمانينيات، كما توقع أوروَل، لكن سبر غور الكيفية التي تُدار بها حياتنا اليومية الحاضرة، حيث أجهزة المراقبة ترصد الناس في البيوت، والشوارع، والمعلومات التي تختزنها أجهزة الكومبيوتر والهواتف النقالة، وتتصرف بها على هواها، يذكّر بنبوءة أوروَل التي خرجت في عام 1948، وهو العام ذاته الذي يُعرف بعام النكبة في فلسطين.

نشوء الفاشية الإيطالية معبّر عنه في أكثر من فيلم، بينها عملان للمخرج برناردو برتولوتشي، هما «1900» حول رجلين (جيرار ديباردو وروبرت د نيرو)، وُلدا كل في جانب مواجه للآخر سياسياً. واحد اعتنق الفاشية، والآخر ثار ضدها، و«الملتزم» (1970) حيث ينتمي بطل الفيلم جان-لوي ترتنيا إلى النظام الذي يطلب منه تصفية أعدائه.

وهناك مخرجون إيطاليون عدّة، عاينوا تيمات الصراع ضد الفاشية (ممثلة بوضوح أو مغلّفة)، كما حال المخرجَين باولو وفيتوريو تافياني في «ليلة النجوم السائرة» (Night of the Shooting Stars) في 1982 وفيلم إيتوري سكولا «يوم خاص» (1970) وأعمال سابقة لروبرتو روسيليني، وفيتوريو دي سيكا.

وما زلنا نتلقف كل عام أفلاماً معادية للنازية على غرار «منطقة الاهتمام» (The Zone Of Interest)، لجونان غلايزر، في العام الماضي.

هذا التيار المعادي للنازية يسير على خط أعمال فنية قيّمة، مثل «مَفيستو» لاسطفان شابو (1981)، و«حياة الآخرين» (The Lives of the Others) لفلوريان هنكل فون دونرسمارك (1996). وقبلهما قام تشارلي شابلن بتوجيه رسالته المعادية للنازية في «الدكتاتور العظيم» (1940)، قبل دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية.