
على الرغم من كل التقدم العلمي والتكنولوجي الذي نعيش فيه، إلا أن البعض لا يزال يلهث وراء الخرافات، وحلم الثراء السريع عن طريق الدجل، والشعوذة، والخرافات التي تضر أكثر مما تنفع. المتهم الرئيسي كانت حياته عادية، لكن بسبب خسائره المتكررة في التجارة، توجه إلى طريق السحر والدجل، ما دفعه لارتكاب حماقة كبرى دفع ثمنها طفل بريء، لم يتجاوز الـ10 سنوات، كما دفع الثمن شقيقه الذي فقد نجله الوحيد.
بدأ المتهم حياته في عالم التجارة فور تخرجه في الجامعة، كان رأس ماله كله نصيبه من الميراث الذي تركه له والده الراحل. كانت الأمور في بداية الأمر تسير بشكل معقول، لكنه تعرض للعديد من الخسائر الفادحة بفعل قراراته المتسرعة غير المدروسة، ما دفعه للاستدانة، والحصول على بعض القروض التي لم يقوَ على الالتزام بمواعيد سدادها.
تاجر آثار «مبروك»
تسوّد الدنيا في عينيه كلما تذكّر مصيره الذي أصبح شبه محسوم بدخول السجن، عندما يحين موعد سداد الديون ويعجز عن الوفاء بالتزاماته. شعر بأن السبل تقطعت به، ولم يعد يعلم ماذا يفعل، البعض أكد له أن ما يحدث له ليس أمراً طبيعياً، ربما كان نوعاً من السحر قام به بعض المنافسين له في مجال التجارة، فقرر المتهم الاستماع لنصائح بعض الوسطاء الذين نصحوه بالذهاب إلى أحد الشيوخ المعروفين على أطراف العاصمة.
لم يكن هذا (الشيخ المبروك) في حقيقة الأمر سوى تاجر آثار يسعى، بشتى الطرق، لاستخراج كنوز الأجداد من باطن الأرض عن طريق الاستعانة بالسحر، وقراءة الطالع. عقد صفقة مع الشيطان بمساعدة المتهم الذي كان على استعداد نفسي لعمل أي شيء يكفل له الخروج من أزمته الطاحنة. اتفق الشيخ المبروك مع الضحية على معاونته على الخروج من أزمته المالية، مقابل أن يساعده على التنقيب عن الآثار، لقاء مبلغ مالي كبير. تهللت أسارير المتهم، ولم يفكر كثيراً في العرض، لأنه كان مستعداً لفعل أي شيء يكفل له الخروج من النفق المظلم.
لعنة الفراعنة
كانت خطة (الشيخ المبروك) هي التنقيب عن الآثار في مكان تم تحديده سلفاً، توقفت فيه أعمال البناء نظراً لأنه مملوء بالكنوز والآثار القديمة، لكن يخشى البعض الاقتراب من المكان بسبب الخوف من لعنة الفراعنة. وأقنع الجميع بأن الدلائل كانت تشير إلى أن الوحيد الذي يمكنه النجاة من لعنة الفراعنة هو طفل لم يتجاوز الـ10 سنوات، حسب ما ورد في كتب السحر والدجل، وأن الأطفال في هذه السّن لا تطالهم اللعنة، ما يعني أن الدجال، وشريكه، في حاجة ماسة إلى طفل بهذه المواصفات، تنطبق عليه الشروط، لكن ما حدث بعد ذلك فاق حدود المعقول.
العم يخطف طفل أخيه
لم يستغرق المتهم وقتاً طويلاً في التفكير، تجرّد من كل معاني الرحمة والإنسانية، كان يسير في ركاب هذا الدجال من دون وعي، أو تفكير، قرّر التحايل على الأمر، والاستعانة بنجل شقيقه الوحيد الذي تنطبق عليه كل المواصفات المطلوبة لتنفيذ أوامر الجنّ لفتح المقبرة، ومن ثم الحصول على ما فيها من كنوز أثرية. تمكن المتهم الرئيسي، بطريقة أو بأخرى، من الإيقاع بالطفل الصغير، وخطفه، وطالب الدجال بسرعة التنفيذ قبل أن يكتشف الأمر. كانت الخطة ترتكز على الدخول إلى المقبرة المزعومة، ومن ثم قراءة بعض التعاويذ، والطلاسم، والاستعانة بالطفل ليقوم بفتحها.. كان الطفل يسير مع عمه المتهم من دون أدنى مقاومة منه نظراً لثقته به، وهو يجهل ما تخبئه له الدقائق المقبلة. لم تمرّ سوى بضع ساعات حتى بدأ تنفيذ المخطط.
لم يتحمل الطفل الصغير هذه الأجواء المرعبة، لم يستوعبها عقله الصغير، وجسده النحيل، سقط على الفور مغشياً عليه من هول الصدمة، ولم يكن هذا كل شيء، فعندما حاول عمّ الطفل إخراجه من المقبرة بدأت بالانهيار فوق رؤوسهم، بفعل طريقة الفرار العشوائية، ما دفع المتهم، وشريكه (الشيخ المبروك) إلى سرعة الهرب قبل أن يفقدا حياتهما. ولكن، يبدو أن سقوط الطفل أيقظ ضمير عمّه المتهم الذي انهار تماماً، وهو يشاهد نجل شقيقة الوحيد يصارع الموت، ولا يقوى على إنقاذه، ما دفعه للإبلاغ عن الحادث، والاعتراف بكل شيء على أمل إنقاذ نجل شقيقه، لكن كل شيء انتهى في غمضة عين.
كشف المستور
كانت الأمور كلها قبل هذا البلاغ تسير في إطار من السرّية، إلى أن انهارت المقبرة فوق الجميع، وكشف عمّ الطفل الضحية المستور، بعدما توجه إلى رئيس مباحث العاصمة، وهو في حالة يرثى لها. حاول رئيس المباحث تهدئته، والاستماع لشكواه، لكنه طلب منه إنقاذ نجل شقيقه من الموت، كما طلب منه الإسراع بطلب الإسعاف بشكل عاجل، لأنه تحت الأنقاض. انتفض الضابط من مكانه، وظنّ أن منزله انهار فوق رؤوس سكانه، لكن بعد وصول القوات إلى المكان بدأت المفاجأة تتكشف تباعاً، حيث تبيّن أن مُقدم البلاغ بالاشتراك مع أحد الأشخاص كان ينقبان عن الآثار عن طريق الاستعانة بالطفل الصغير الذي لم يتجاوز الـ10 أعوام، وتبيّن أنه أثناء التنقيب والحفر داخل سرداب سرّي في باطن الأرض انهارت المقبرة على الطفل، نتيجة الحفر العشوائي.
دموع الندم
على الجانب الآخر، تم التحفظ على عمّ الطفل صاحب البلاغ للتحقيق معه لمعرفة تفاصيل ما حدث، حيث قدم اعترافات تفصيلية حول الحادث الغريب، مشيراً إلى أنه كان يتمنى الموت مع نجل شقيقه، وحاول إنقاذه، ولكن من دون جدوى، مشيراً إلى أن (الشيخ المبروك) أقنعه بضرورة فتح المقبرة عن طريق طفل صغير، حتى لا يصاب أيّ منهم بلعنة الفراعنة التي لا تصيب الأطفال، على حد قول الشيخ، مشيراً إلى أنه كان يمر بأزمة مالية كبيرة، ولم يكن أمامه سوى الانصياع لكلام هذا الدجال الذي وعده بفك السحر المعقود له، مقابل أن يساعده على استخراج كنوز الأجداد. كما أرشد عن الدجال شريكه، حيث تم تسيير مأمورية أمنية، وعمل العديد من الكمائن، الثابتة والمتحركة، لسرعة القبض على (الشيخ المبروك)، قبل هروبه، حيث تم توجيه العديد من الاتهامات له، منها ممارسة أعمال الدجل والشعوذة، والتنقيب عن الآثار، إضافة إلى اشتراكه، بصورة أو بأخرى، في مقتل الطفل الصغير.
على الجانب الآخر، تم استخراج جثة الطفل المسكين من بين الأنقاض، وعرضه على الطب الشرعي، الذي أكد أن الوفاة حدثت نتيجة صدمة عصبية عنيفة، أدت إلى هبوط حاد في الدورة الدموية، واختناق الطفل نتيجة ضيق المكان، ما تسبب بوفاته بهذه الصورة البشعة. كما حرّر والد الطفل محضراً بالواقعة، والدموع تغطي قسمات وجهه، موجهاً لشقيقه الاتهام بالخطف، والقتل.
تمت إحالة المتهمَين للنيابة العامة، بتهمة التنقيب عن الآثار، ومحاولة تضليل العدالة، والخطف، والقتل، حيث أمرت النيابة العامة بحبسهما 15 يوماً على ذمة التحقيقات الجارية معهما.
* القاهرة: كريم سليمان