
طرح موسم الدراما خلال شهر رمضان 2025، مجموعة من الأعمال التي لم تكتفِ بتقديم المتعة، والترفيه، والتسلية فحسب، بل حرص عدد كبير من صنّاع هذه الأعمال على تناول قضايا اجتماعية هامة، تعكس هموم المجتمع، مثل الجرائم الإلكترونية، والاستخدام السلبي للـ«سوشيال ميديا»، وحقوق المرأة، وانتهاك حقوق الأطفال، والمراهنات، وغيرها من القضايا الهامة، لتلعب الدراما دوراً فعالاً في إلقاء الضوء على مشكلات مجتمعية حقيقية.

ربما لم يكن بعض هذه القضايا جديداً على الدراما المصرية، رغم اختلاف التناول ومعالجة هذه الأعمال، غير أن اللافت في أغلب هذه الأعمال أنه تم تقديمها بلمسة نسائية، سواء في الكتابة، أو الإخراج، أو حتى الأداء لنجمات الصف الأول، ما جعلها أكثر تأثيراً في وجدان المشاهدين، بخاصة أن تصدّر النجمات مشهد القضايا الاجتماعية الجريئة، يمثل نقلة نوعية في المحتوى الدرامي، إذ قدّمن أعمالاً سلطت الضوء على قضايا تلامس الواقع، وفي الوقت نفسه أثارت جدلاً مجتمعياً واسعاً، مع تنوع المعالجات الدرامية.

الـ«سوشيال ميديا».. و«الدارك ويب»
سعى عدد كبير من صنّاع الأعمال الدرامية هذا العام، إلى تحفيز النقاش المجتمعي من خلال تناولهم بعض القضايا الشائكة، ربما تأتي في مقدمتها قضية «الدارك ويب»، والجرائم الإلكترونية، والاستخدام السلبي للـ«سوشيال ميديا»، وهو ما تم تناوله في عدد من الأعمال، بعضها كان على تماسّ معها من دون الدخول في تفاصيل عدّة، واكتفى بإظهار الأثر السيئ في بعض أبطال العمل، مثلما حدث في الجزء الثاني من مسلسل «كامل العدد»، الذي شارك في بطولته دينا الشربيني، وشريف سلامة، وعدد من الأطفال، وشباب الممثلين، تأليف رنا أبو الريش، ويسر طاهر، وإخراج خالد الحلفاوي، ليوضح العمل انعكاس أثر الاستخدام السلبي للـ«سوشيال ميديا»، وتحديداً في الشباب، في مرحلة المراهقة، وما قد يسببه لهم من مشاكل، أسرية ومجتمعية.

أيضاً مسلسل «80 باكو» الذي جاء بلمسة نسائية بالكامل، حيث لعب بطولته كل من هدى المفتي، انتصار، رحمة أحمد، وكتبته غادة عبد العال، وأخرجته كوثر يونس، والذي حاول من خلال حكاية بسيطة إظهار استغلال البعض لحاجة بعض الفتيات إلى المال، وتوريطهنّ في العديد من مشاكل الـ«سوشيال ميديا»، من خلال مصففة الشعر الموهوبة «بوسي» التي تمرّ بضائقة مالية، ويتوجب عليها توفير مبلغ 80 ألف جنيه، لإتمام زواجها، لتنفتح على عالم آخر لم تشهده من قبل.

أما الفنانة ريهام حجاج، فتناولت الوجه المظلم للإنترنت، من خلال تجربة درامية مختلفة عبر مسلسل «أثينا»، تأليف محمد ناير، وإخراج يحيى إسماعيل، الذي تناول قضية «الدارك ويب»، والجرائم الإلكترونية، وهي من التحدّيات المتزايدة في العصر الرقمي، حيث تجسد ريهام دور شخصية «ريهام صبري»، مراسلة صحفية تتعرض لإصابة خلال تغطية حرب إقليمية، فتضطر للحصول على إجازة إجبارية، وخلالها تكتشف محاولة شقيقتها الانتحار بعد تعرّضها لابتزاز إلكتروني عبر الإنترنت، ليسلط العمل الضوء على مخاطر الجرائم الإلكترونية، وكيفية اختراق خصوصية الأفراد، وتهديدهم، ما يضيف بعداً مختلفاً ألى القضية المطروحة، ويكشف عن عالم غامض يهدّد الأمان الرقمي للأفراد.

التنمّر والمراهنات
أما مسلسل «ولاد الشمس»، الذي كتبه مهاب طارق، وأخرجه شادي عبد السلام، فيفتح ملف «دور الأيتام»، حيث يقرر اثنان من أيتام إحدى الدور رفض تلك الحياة والتمرّد عليها، بخاصة عقب إجبارهما على السرقة والنصب، من قبل مدير الدار، الذي يعلن عليهما الحرب بعد ذلك، ويحاولان التخلص منه، وحماية بقية الأيتام من شروره.

أيضاً خلال هذا الموسم، خاضت الفنانة أمين خليل تجربة مختلفة مسكوتاً عنها، من خلال مسلسل «لام شمسية»، الذي سلّط الضوء على قضية «التحرش بالأطفال»، حيث قدمت الكاتبة مريم نعوم رؤية درامية تطرح هذه المشكلة بأسلوب جريء، تتناول من خلاله خطورة تعرّض الأطفال للتحرش من داخل الدائرة الصغيرة التي يثق بها الأهل. كما تطرق العمل إلى قضايا التنمّر وتأثيراته السلبية في نفسية الطفل؛ ما يجعله دراما توعوية ذات بُعد اجتماعي عميق تحت قيادة المخرج كريم الشناوي.

وتقدم الفنانة ياسمين رئيس، قضية جديدة ومختلفة، على الدراما المصرية، من خلال مسلسل «منتهي الصلاحية»، تأليف محمد هشام عبية، وإخراج تامر نادي، حيث يناقش قضية «المراهنات» في الألعاب الإلكترونية ومباريات كرة القدم، والتي ينتج عنها أموال طائلة، بخاصة عندما يفاجئ «المراهن» بأنه دخل هذه اللعبة، ولا يعرف كيفية يخرج منها.

أزمات المرأة
ربما يكون تناول قضايا المرأة من خلال الدراما أمراً جديداً، غير أن الفنانة روجينا لجأت من خلال مسلسلها هذا الموسم، إلى دراما مستوحاة من قضايا واقعية، من خلال مسلسل «حسبة عمري»، الذي يتناول قضية «الكد والسعاية»، وهو حق المرأة في اقتسام ممتلكات الزوج بعد الطلاق، بعدما أسهمت في تكوينها معه، وهي قضية لم تتطرق إليها الدراما التلفزيونية من قبل، كتبها محمود عز، وتحمست لها بشكل كبير المخرجة مي ممدوح، في عملها الثالث بالدراما التلفزيونية، غير أن صنّاع العمل لجأوا إلى تقديم الفكرة من خلال الكوميديا، رغبة في تخفيف صعوبة القضية، ولضمان وصولها بشكل أكبر.

أما الفنانة دنيا سمير غانم، فقررت عدم الابتعاد عن الكوميديا، لكنها في الوقت نفسه، قررت اقتحام منطقة اجتماعية هامّة لعرض ما تعانيه المرأة بعد «الطلاق»، من خلال مسلسل «عايشة الدور» الذي كتب فكرته وقام بإخراجه أمد الجندي، وكتب له السيناريو والحوار كريم يوسف، وقدمت دنيا من خلاله شخصية امرأة مطلقة لديها طفلان تقوم برعايتهما وتربيتهما، وتتحمل مسؤوليتهما في ظل وجود خلافات مع والدهما، فتجد فرصة للهروب من هذا الواقع المرير بانتحال شخصية ابنة شقيقتها الطالبة الجامعية التي تعيش في الخارج، ولتجنب حرمانها من استكمال حياتها في مصر، تضطر «عائشة» لأن تعيش بشخصيتين، واحدة لامرأة مطلقة ناضجة تتحمل مسؤولية أطفال، وأخرى لفتاة جامعية تسترجع من خلالها حياة الشباب في عالم التكنولوجيا. كما يناقش المسلسل أسلوب تعامل شريحة كبيرة من الشباب مع الـ«سوشيال ميديا»، وترويج فيديوهات قد تسبب العديد من المشاكل، لمجرد السخرية والتنمّر.

بينما الفنانة ريهام عبد الغفور، ومن خلال مسلسل «ظلم المصطبة»، الذي كتبه أحمد فوزي صال، ومحمد رجائي، وأخرجه محمد علي، فتذهب بعيداً عن العاصمة، وتلقي الضوء على مهمّشات الريف المصري، الذي لا يزال تحكمه بعض العادات والتقاليد ضد المرأة، والتي لها تأثير سيئ فيها، لتواجه العديد من الأزمات بسبب تحكّم هذه التقاليد في حياتها وحياة عائلتها.

كذلك قرّرت الفنانة مي عز الدين الدخول مع المؤلفة مها الوزير، إلى منطقة «المحلل»، وتأثيره في الزوجة، من خلال مسلسل «قلبي ومفتاحه»، الذي أخرجه تامر محسن، والذي يتناول محاولة امرأة مطلقة العودة إلى زوجها من أجل ابنها الصغير، عن طريق إيجاد رجل يقوم بدور «مُحلل»، غير أنها تلتقي عن طريق الصدفة بسائق في أحد تطبيقات النقل الخاص، فتعرض عليه الزواج لحلّ أزمتها، من دون أن تكشف له عن دافعها الحقيقي للزواج منه، لتكشف الأحداث عن معاناة المرأة المصرية بعد أن يطلقها زوجها ثلاث مرات بسبب الأزمات بينهما.

أما الفنانة ياسمين عبد العزيز، فقدمت رؤية مختلفة للزوجة التي تبحث عن فرصة جديدة للحياة بعد الطلاق، من خلال مسلسل «وتقابل حبيب» الذي كتبه عمرو محمود ياسين، وأخرجه محمد حمدي الخبيري، حيث تكتشف خيانة زوجها بالزواج عليها، وعندما تقرر الانفصال عنه والبحث عن فرصة جديدة للحياة، تكتشف أنه ليس الحصول على فرصة جديدة، حيث تتورط في صراعات مختلفة تتغيّر معها حياتها.
ترحيب نقدي
على الرغم من الاعتراض الجماهيري والنقدي على عدد من الأعمال التي شهدها موسم الدراما التلفزيونية خلال شهر رمضان الأخير، إلا أنهم أثنوا على التنوّع في القضايا، واختلاف التناول الذي شهدته بقية الأعمال، حيث يؤكد الناقد الفني طارق الشناوي أن الدراما لها دور رئيسي في تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية الهامة، مشيراً إلى أن الدراما مطالبة دائماً بتقديم موضوعات تعكس هموم المجتمع، بخاصة في ما يتعلق بالقضايا الاجتماعية، وعلى رأسها قضايا المرأة، ومشاكل الـ«سوشيال ميديا»، والقضايا الإلكترونية التي انتشرت مؤخراً بشكل كبير.
وأضاف الشناوي «وجود مثل هذه القضايا في الدراما أمر مطلوب ومهم جداً، بشرط ألا يخلّ بالمعالجة والحبكة الدرامية، حتى لا يتحوّل الأمر إلى نصائح وإرشادات يمكن أن تقال في أيّ من البرامج»، موضحاً أن الحكم على الأعمال لا يكون من خلال العناوين «الجذابة» فقط، وإنما عبر طريقة تنفيذها وتقديمها للمشاهد.
وأضاف «دراما رمضان شهدت تناول موضوعات جديدة، لم تطرح من قبل في الدراما المصرية، مثل «الدارك ويب»، و«قانون الكد والسعاية»، ومكافحة التحرّش ضد الأطفال، ومناقشة مثل هذه القضايا تُعد إضافة هامة، لأن هناك دوماً حساسية في تناول القضايا الاجتماعية، بخاصة تلك التي تمس العلاقات بين الرجل، والمرأة، والطفل، وأخيراً قضية «الدارك ويب» التي فرضت نفسها على الساحة».
وحول ظاهرة تصدّر النساء لبطولة هذه النوعية الأعمال، أوضح الشناوي «الدراما التلفزيونية، خلال ربع القرن الأخير، منحت المرأة مساحة أكبر للبطولة مقارنة بالسينما، حيث أصبحت البطولات النسائية في التلفزيون أكبر، وأكثر تميّزاً، ما أتاح فرصة أكبر لتناول قضايا المرأة بجرأة أكبر، سواء من خلال الكتابة، أو الإخراج، وكذلك التمثيل».
أما الناقدة الفنية ماجدة موريس، فترى أن تناول القضايا الاجتماعية في الدراما يمثل انعكاساً لتغيرات المجتمع، وتحوّلاته الفكرية والثقافية، ما يعكس رغبة في الخروج من القوالب التقليدية، ويمثل خطوة جريئة تعكس تطوراً في المحتوى الدرامي، لكنه في الوقت ذاته يضع صناع هذه الأعمال أمام مسؤولية كبيرة. فالرهان لا يكمن فقط في نوعية القضايا الاجتماعية فقط، وإنما في تقديم معالجة درامية توازن بين الإقناع الفني والرسالة التوعوية، مؤكدة أن الدراما ليست مجرد وسيلة ترفيهية فقط، بل هي أداة مؤثرة في تشكيل الوعي الجماهيري، ومن المهم جداً أن تكون المعالجة الدرامية عميقة ومتزنة، بحيث تقدم رؤية واقعية من دون تهويل، أو تهوين؛ لأن أيّ تناول غير مدروس قد يضر بالقضية بدلاً من تسليط الضوء عليها.
* إعداد: أحمد إبراهيم