القصّة الكاملة لأكبر صفقة استحواذ ..كيف قامت أمازون بشراء مستقبل جيمس بوند؟

وصفتها بعض المواقع الإعلامية بأكبر صفقة مالية تمّت بين شركة وفرد واحد. وهي تستحق هذا الوصف بالفعل.
إنها الصفقة التي أجرتها شركة أمازون مع المنتجة البريطانية باربرا بروكولي وشريكها، لشراء كل ما يتعلق بشخصية جيمس بوند، تاريخاً، وحاضراً، ومشاريع مستقبلية.
الصفقة مقدارها مليار دولار، تمّت في الشهر الثاني من هذا العام، وأعلن رسمياً عنها في الشهر الثالث منه. وتبعاً للاتفاق الجاري مفعوله منذ تاريخ توقيعه، لم يعد لبروكولي (وشريكها جيمس ولسون)، أيّ علاقة بشخصية وأفلام جيمس بوند التي كان والدها، ألبرتو بروكولي، أطلقها في الستينيات، وورثتها عندما توفي قبل نحو 25 سنة.
قبل كل ذلك، كان أعلن رسمياً قبيل نهاية الشهر الماضي، أن جيمس بوند، شخصية، إنتاجاً وتاريخاً ومستقبلاً، انتقل من أيدي منتجيه باربرا بروكولي (التي استلمت زمام الأمور من بعد رحيل والدها المؤسس ألبرت بروكولي سنة 1986)، ومايكل ج. ولسون، إلى أيدي شركة أمازون الأمريكية. وبذلك ستختفي، كملاحظة أولى، الهوية البريطانية للإنتاج كاملاً، بعدما كانت ممثلة على نحو غالب كصناعة بريطانية، مع قيام شركة مترو غولدوين ماير الأمريكية بمهمّة التوزيع.

غباء ورفض
التخطيط لهذه الصفقة هو جزء من عملية أكبر حين قامت شركة أمازون برمي شباكها واشترت مترو غولدوين ماير، بمبلغ 8 مليارات و500 مليون دولار، سنة 2022. الصفقة شملت كل تاريخ الشركة المشهورة (تم تأسيسها سنة 1924)، من الأفلام والعقود، وجيمس بوند كان من بينها. لكن أمازون اكتشفت أن سلسلة جيمس بوند، وكل ما يأتي مستقبلاً في إطار هذه الشخصية، ما زال بيد آل بروكولي، تبعاً لعقد مبرم بين مترو وبروكولي، فهي التي تنظر في كل التفاصيل وتتابع منهج العمل من بدايته إلى نهايته، وهي من توافق على اختيارات المشروع من الكتابة إلى التنفيذ الكلي، وهي التي لديها الكلمة الأخيرة، أو ما يعرف بـ The Final Cut.
استاء رئيس شركة أمازون، جيف بيزوس، من أن العقد المبرم مع شركة مترو ما زال يحمل ثغرة اسمها «حقوق انتاج جيمس بوند»، وأوصى ثلاثة من كبار مديريه بلقاء باربرا بروكولي خلال زيارتها لمدينة نيويورك بمناسبة عرض مسرحية قامت بإنتاجها، وهذا ما جرى:
تمّ اللقاء في أحد مطاعم المدينة. عرض المديرون المنتدبون على باربرا خطط قيام أمازون بمشاركتها عمليات الإنتاج السلسلة التي انطلقت سنة 1962، واستمرت بنجاح باهر. استمعت باربرا، وهي تتناول طعام العشاء، إلى خطة أمازون في إجراء عملية تغيير شاملة. قيل لها: “سيكون هناك جيمس بوند طبعاً، لكن ستتفرع السلسلة لتلد سلاسل أخرى، واحدة عن جيمس بوند إمرأة، وأخرى عن مغامرات تقوم ببطولتها سكرتيرة المخابرات البريطانية، مَنيبني (Moneypenny). عند هذا الحد وصفت باربرا كل ذلك بالغباء، ورفضت العرض بالكامل.
عندما التقى بيزوس بمديريه وقد عادوا إلى مكتبه في مدينة سياتل (ولاية واشنطن)، زاد استياؤه، وأمر بأن يبذل الجميع كل ما في وسعهم للاستحواذ على بوند، وبأي ثمن.

تاريخ وتغيير واقعي
الثمن كان مرتفعاً، لكن «أمازون» عرضته على باربرا التي لم تكن لتستطيع أن ترفض. مليار دولار هو مبلغ كبير، يضاف إلى إلى أكثر من 19 مليار دولار حصدتها السلسلة في تاريخها من العروض التجارية.
تشمل الصفقة كل أفلام جيمس بوند الماضية، وكل مشاريع هذه الشخصية المقبلة، وفي البال جيمس بوند جديد مبنيّ على حقيقة أن العالم تغيّر على نحو اختلف كثيراً عمّا كان عليه في الستينيات، عندما تم إنتاج الفيلم الأول «دكتور نو» سنة 1962، وإلى آخر بوند انتجته الشركة وهو «لا وقت للموت» (No Time to Die)، سنة 2021. أحد العوامل التي ساعدت أمازون على إبرام الصفقة أن السينما في كليّتها تغيّرت كصناعة في عصر البث الأثيري، وفنون الديجيتال، بالتالي، على بوند أن يتغيّر بدوره ليواكب تلك المتغيّرات.
انطلقت السلسة بنجاح كبير من الفيلم الأول «دكتور نو» سنة 1962. حينها كان المؤلف إيان فليمنغ، ما زال حياً، وسعيداً بقيام السينما باقتباس أعماله التي احتوت أيضاً على «من روسيا مع الحب»، و«غولدفينغر»، و«ثندوبرول»، واثنا عشر اقتباساً آخر، حتى نفدت روايات فليمنغ. آخر فيلم من تلك الروايات كان The Living Daylight سنة 1966 بعد عامين من وفاة فليمنغ. استنفاد الروايات التي كتبها نتج عنه إسناد كتابات جديدة تستمد من السابقة منوالها في الشخصية، والأحداث.
حينها تم اختيار كتّاب آخرين لمواصلة مغامرات جيمس بوند، مثل كريستوفر وود، ورايموند بنسون، وكينغسلي أميس، وكلهم من كتاب الرواية البوليسية. ألبروت بروكولي كان واعياً لأهمية هذه السلسلة، وهو الذي أحكم الطوق عليها إلى حين وفاته سنة 1996. ابنته، وأخيها من غير أم، ورثا المهمّة وحافظا على التميّز بنجاح مطرد.
إلى ذلك، صنعت السلسلة نجوماً كباراً من الممثلين قادهم شون كونيري (لعب الدور 7 مرات إضافة إلى مرّة ثامنة لحساب إنتاج منفصل)، وتبعه روجر مور (7 مرّات)، وتيموثي دالتون (مرّتان)، ثم بيرس بروسنان (4 مرّات)، ثم دانيال كريغ (5 مرات).
وفي عام 1967 أعلن شون كونيري رغبته في الاعتزال، فتم تعيين الممثل الأسترالي جورج لازنبي لبطولة On Her Majesty's Secret Service («في خدمة صاحبة الجلالة»، 1969)، وكان الوحيد الذي لعب شخصية بوند مرّة واحدة. وبناء على نجاح محدود لهذا الفيلم، أقنع ألبرت بروكولي الممثل كونيري بالعودة، ولو لفيلم واحد، وتم ذلك سنة 1971 بفيلم «الماس للأبد»، الذي أخرجه غاي هاملتون (عاد إلى السلسلة بدوره بعد أن أخرج سنة 1964 «غولدفينغر»).

مستقبل جيمس بوند
انتقال ملكية بوند من أيدي المؤسسين إلى مؤسسة من حصاد سنوات الأثير، والديجيتال، أمر يثير عدة أسئلة حول واحد من أهم خمسة مسلسلات سينمائية تم إنتاجها في تاريخ السينما.
أسئلة من نوع: كيف ستكون شخصية بوند الجديدة؟ ما الذي سيبقى منه، وما الذي سيُضاف إليه؟ هل سيتحوّل إلى نسخة من مسلسلات السوبرهيروز المنتشرة، أو كيف سيبقى متميّزاً؟
ثم من سيكون جيمس بوند الجديد؟ واحداً من الممثلين السابحين في فضاء أفلام اليوم أم وجهاً جديداً؟
ومن سيكون أعداء بوند في هذه المرحلة السياسة الراهنة حيث الأوراق مختلطة ومعقّدة؟
حتى الآن، لم يتم اختيار الممثل الذي سيخلف من سبقه في هذا الدور، ولا المخرج، ولو أنه من المتوقع أن تكون «أمازون» استلمت عشرات الترشيحات. فرصة كهذه لا تعوّض وقد تعني عقوداً قادمة من هذه الأفلام، أو توقفها بعد سنين قليلة. يتوقف ذلك على توجهات بوند الجديد.