03 أبريل 2025

مواقع التواصل الاجتماعي.. مسرح لتبادل وجهات النظر أم ضبابية تغلّف العقول؟

رئيس قسم الشباب في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

ساحات معارك وتنافسات... عروض وإبراز عضلات... مصادر مشتّتة للمعلومات... كيف حوّلت مواقع التواصل حياتنا؟ وكيف لعبت بأفكارنا؟ وكيف استحوذت على مشاعرنا؟ وأثرت في معتقداتنا؟ وكيف بدّلت نظام أيامنا؟

من مقاطع «الريلز» إلى فيديوهات «التيك توك»، ومن رسائل «الواتساب» إلى نصائح «الفيسبوك»... صرنا سجناء الـ«سوشيال ميديا»، نتعلم ما جهلناه في الحياة، نتعرّف إلى ما لم نعرفه من قبل، تتأثر عواطفنا فنبكي، ونشعر بالاضطهاد فنحزن... وقد نرفض كل ما يعرض علينا ويأتينا من مشارق الأرض ومغاربها، لنعيش حالة من الضياع الذهني، واضطرابات الشخصية، فنكذّب ما يقال، ولا نطبق ما نُنصح به، ونستهزئ بكل الصور التي قد تكون مزيّفة، ومعدّلة.

خليط بين الواقع والخيال، مزيج من التشتت والضياع، حالة من الفوضى النفسية والتشوش سببها تدفق المعلومات المتضاربة، والصور المؤثرة، والحكايات الاجتماعية المحزنة.

ردود الفعل كثيرة ومختلفة، الأعمار تتحكم، وما بين ذكر وأنثى المشاعر تضطرب، هذا صح، وهذا خطأ، هذا الكلام يخصّنا وهو موجّه إلينا، وذاك لا علاقة له بنا، وأبعد ما يكون عنّا.

التقينا أشخاصاً من مختلف الأعمار ليشهدوا على ما تفعله مواقع التواصل بالأجيال المختلفة، وكيف يرزح البعض تحت تأثير هذه المواقع، وكأنهم منقادون إلى عالم مجهول، ومتاهة تضطرب فيها الأعصاب، ويكثر فيها التأهب والاستنفار.

مجلة كل الأسرة

«شكّكوني في مشاعر زوجي!»

تقول أم كريم، امرأة مثقفة في الخمسينيات من عمرها، وقد سمعت كلامها مصادفة، وهي تتحدث مع صديقة مشتركة بيننا «هل تعلمين أن حياتي مع زوجي أصبحت لا تطاق بسبب الـ«سوشيال ميديا»، ففي كل مرة أستمع فيها إلى فيديوهات التنمية الذاتية والمدافعين عن حقوق المرأة، أجد نفسي مهدورة الحقوق، ويخيّل إليّ أنني مظلومة مع رجل لا يقدّر مشاعر المرأة، ولا يغدق عليها كلمات الحب والغزل. قبل الـ«سوشيال ميديا»، كنت سعيدة مع زوجي، لا أرى فيه إلا الخصال الجميلة، والحنان الذي لم يترجمه إلى كلام، بل كان عبارة عن أفعال واهتمام. لقد ضعنا وصرنا نعيش مع الأوهام».

هل يتاجرون بالصحة؟

وتوقفنا عند وجه آخر بين رافض ومؤيّد لما يُعرض في مواقع التواصل الاجتماعي.. علي، شاب يدرس في كلية الطب البشري «البارحة وقع بين يديَّ وأنا أقلّب في الإنستغرام، فيديو لطبيب يتحدث عن إيجابيات أدوية الكوليسترول، وقدرتها على منع تراكم الكوليسترول السيئ في الأوعية الدموية، وتصلّب الشرايين، وحدوث جلطات ونوبات قلبية، وسكتات دماغية، وكنت على مدى أشهر طويلة أشاهد فيديوهات لطبيبة غير عربية متمرسة، ولها متابعون كثر على صفحتها، تهاجم أدوية الكوليسترول، وتحث على عدم تناولها».

ويتابع علي «بصراحة، كنت أنوي أن أتخصص في أمراض القلب والشرايين، ولا أعرف ماذا سأنصح مرضاي بعد كل هذه الفوضى الفكرية التي تسببها لنا مواقع التواصل».

مجلة كل الأسرة

رفض تام

لجين، فتاة جامعية، سنة الأولى، في كلية الفنون، ترى أن كل ما يعرض على الـ«سوشيال ميديا» مزيّف، وليس له أساس من الواقع، وقد رفضت ذلك التناقض الذي تسمعه وتشاهده هنا، وهناك، حتى صارت تخرج من إطار تربيتها، وتهاجم معتقدات أسرتها، كأن العالم قد تحوّل من حولها إلى زيف وخداع «لا أصدّق شيئاً من الفيديوهات التي ترسلها لي أمّي على «الواتساب» لتحفزني على برّها، والتمسك بديننا، فأنا لا أرى في هذه الفيديوهات سوى كلام مغرض يتحدث به أناس يريدون جمع أكبر عدد من المتابعين، ولو على حساب شخصيتنا، وهويتنا. كنت في البداية أشاهد بعض هذه الفيديوهات، أما الآن فأنا لا أحاول حتى الاطّلاع عليها فهي لا تهمّني!».

بين الماضي والحاضر

وما بين الرفض والقبول، تعيش جيهان حالة من الاضطراب، وتوضح «مواقع التواصل محشوّة بالتناقضات، أتابع طبيباً معروفاً بانفتاحه الذهني، ونظرته الحديثة، لكنني فُوجئت في إحدى المرّات بسماعه يتحدث عن حليب الأبقار كأنه سمّ قاتل، وقد كانت والدتي، رحمها الله، تشرب الكثير من حليب الأبقار، وبلغت ثمانية وثمانين عاماً، وهي بصحة جيدة! فهل أصدّق حياة والدتي، وطفولتنا التي كان الحليب فيها غذاء أساسياً، أم أصدّق ما يقوله الطبيب، وأمتنع عن الحليب، وأمنع أولادي؟ هل تغيّرت، الحياة وتغيّرت محتويات الأغذية، وعلف الحيوانات؟ لم أعد أعرف كيف أتصرف، ومن أتّبع؟ فطرتي وتجربتي؟ أم علم وتجارب من يقدمون النصائح؟».

التناقض مسألة قديمة في علم النفس الاجتماعي

يتساءل الباحثون حول ما يجري الآن على نطاق واسع، فبدلاً من تبادل وجهات النظر وفق مفاهيم ودراسات دقيقة، أدت الطفرة الحاصلة في وسائل التواصل الاجتماعية وخوارزمياتها إلى تطرّف وجهات النظر، وتفاقم التوتر والتناقضات في الأفكار، والقيم، وأصيب المتابعون بالعجز المزمن عن الاستماع للآخرين، واحترامهم.

يشير الباحثون إلى أن حالة الارتباك واستراتيجيات مواجهة آراء تتعارض مع الآراء الشخصية ليست وليد مواقع التواصل الاجتماعي، فقد أدت مسألة طرح الرأي اجتماعياً، في الخمسينيات من القرن العشرين، إلى ظهور نظرية التنافر المعرفي (cognitive dissonance ) لعالم النفس ليون فيستينجر، وهي حالة من التوتر، أو الإجهاد العقلي، أو عدم الراحة، يعانيها الشخص حين تتناقض بعض أفكاره، ومعتقداته، أو يواجَه بمعلومات جديدة تتعارض مع معتقداته وأفكاره، وقيمه، فيحاول السعي إلى خلق حالة من التناسق الداخلي، مع الشعور بعدم الارتياح نفسياً.

مجلة كل الأسرة

كيف عملت وسائل التواصل الاجتماعي على استقطاب الأفكار؟

لاحظ الباحثون أن تأثير «فيسبوك»، و«تويتر»، وفيديوهات «الريلز»، و«التيك توك» وخوارزميات التخصيص، يعزز الاتجاهات الفكرية والعقائدية بين المجموعات. فعالِم الإحصاء الأمريكي موريس ديجروت، مثلاً، يرى أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى تقبّل أفكار وآراء من يشابهونهم في الجنس، ولون البشرة، والدين... إلخ، حتى لو لم يكن لديهم أيّ علم بصحتها، وبمصدرها. ويشكّل هذا الانجذاب للتشابه نموذجاً أساسياً لا يعتمد على منطق الاستقطاب، ومحاولة التحقق والبحث.

وينصح الخبراء مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي باعتماد المصادر الموثوقة التي تأتيهم من الوسائل الإعلامية، مثل التلفاز والصحف، فهي تضع الموضوعات ذات الأهمية والمنفعة العامة في متناول الجمهور، وتلتزم بمعايير المهنة الصحفية، وتعمل على تطوير محتواها بناء على معايير محدّدة، ودقيقة. أما وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو، فلا تعمل وفقاً للمعايير نفسها، وهي تفتقد المراقبة والدقة في جمع المعلومات ومعالجتها، وهذا ما يقوم به الصحفيون المحترفون عادة. فاليوم، يمكن لأي شخص إنشاء محتوى ومشاركته على وسائل التواصل الاجتماعي، بغضّ النظر عن مستوى احترافه. وإذا كانت هذه المنصات تهدف في الأساس إلى خلق روابط اجتماعية، فإنها اليوم تشكّل، كما توضح الدراسات الحديثة، مصدراً رئيساً للمعلومات، خصوصاً أن لها تأثيراً كبيراً، سمعياً وبصرياً.