23 نوفمبر 2022

د. حسن مدن يكتب: هل للمشاعر ميزان؟

كاتب بحريني، يكتب زاوية يومية في جريدة "الخليج" الإماراتية بعنوان "شيْ ما"

كاتب بحريني، يكتب زاوية يومية في جريدة "الخليج" الإماراتية بعنوان "شيْ ما"، صدرت له مجموعة من الكتب بينها: "ترميم الذاكرة"، "الكتابة بحبر أسود"، "للأشياء أوانها"، "يوميات التلصص".

د. حسن مدن يكتب: هل للمشاعر ميزان؟

بعد تجارب مديدة اكتشف الناس فكرة المعيار أو وحدة القياس التي يقيسون بها الأشياء، كأن يقولون: غرام من الذهب، كيلو من السكر..الخ. بذاك نستطيع تقدير كمية الشيء أو ثمنه أو مدى أهميته، وتحديد ما هو الأقل وما هو الأكثر، ما هو الخفيف وما هو الثقيل.

وربما استطعنا أن نحدد ما هو الجيد وما هو السيئ أو الأقل جودة.

لكن كيف نستطيع قياس المشاعر، بصرف النظر عن طبيعتها، حباً كانت أو كراهية أو نفوراً؟

ما المعيار الذي يمكن أن نحتكم إليه لنقول إن حبنا لفلان من الناس هو حب عميق، أو أن مشاعرنا تجاه هذا الشخص أو ذلك زادت عما كانت عليه أو قلّت؟

حين انشغل ميلان كونديرا في رواية «الخلود» بمثل هذا النوع من الأسئلة، مال إلى القول القاطع «إن الحب هُو ما هُو».

كأنه يريد القول إن الحب خارج دائرة التعريفات والمقاييس والدرجات، إما أن نعيشه أو لا نعيشه. حين نعيشه فإنه يستولي على كل الجوارح، حينها لا يبدو أننا في وضع نكون معه قادرين على وصف ما نحسّ به، فمن يقعون تحت تأثير هذا النوع من العاطفة العميقة قد يقدمون على تصرفات تبدو لاعقلانية لو حاكمناها من وجهة نظر المنطق المألوف المتعارف عليه.

باختصار؛ إن «مقاييس» الحب إن وجدت فهي من طينته، فليست قائمة على المنطق الرياضي، حين المقدمات المحسوبة تفضي إلى نتائج مضمونة.

بهذا المعنى يتقدم الحب على كل شيء، إنه يحمل في داخله تلك الطاقة أو الشحنة الجديرة بأن تجعل منه قيمة مطلقة، من تلك القيم التي اعتدنا احترامها واعتبارها مثلاً أعلى.

وحين سعى «كونديرا» لتعريف المقصود بـ«الإنسان العاطفي» سخر من أولئك الذين يظنون أنه الشخص الذي يكابد العواطف، لأن الجميع قادر على مكابدة العواطف. الشخص العاطفي، بتقديره، هو ذاك الذي يضع العواطف في مرتبة القيم، إنه يتباهى بالعاطفة، كما يتباهى بأي قيمة نبيلة أخرى.

نعود لموضوع المعيار أو الميزان، ونسأل: هل يصحّ أن نقارن حبنا لشخص بحبنا لشخص آخر، أي أن يقول أحدنا إنه يحب فلاناً أكثر من فلان؟ فمع أن الحديث يدور عن الحب، لا سواه، لكننا نفرق في هذه الحال بين الدرجات أو المستوى.

هذا سؤال آخر طرحه كونديرا «في «الخلود»، ولكنه يقطع بأن هذا النوع من المقارنة باطل أو غير جائز، أن تقول إنك تحبّ شخصاً أكثر من الآخر، فذاك يعني ببساطة أنك لا تحبّ هذا الآخر، فـ «المحبوب لا يقارن»، لأن الحب لا معيار له. الحب هُو ما هُو فحسب.

 

مقالات ذات صلة