12 أكتوبر 2023

د. هدى محيو تكتب: هل حقاً نحن لا نستخدم سوى 10% من دماغنا؟

أستاذة وباحثة جامعية

أستاذة وباحثة جامعية

د. هدى محيو تكتب: هل حقاً نحن لا نستخدم سوى 10% من دماغنا؟

«نحن لا نستخدم سوى 10% من دماغنا»، قول تردد كثيراً في كتب النمو الشخصي والأدلة العملية، كما نجده مترافقاً مع نصائح حول الطريقة الواجب اتباعها من أجل استخدام كل طاقات الدماغ. وقد تنسب هذه الفكرة أحياناً إلى ألبرت أينشتاين من دون أي إثبات بالطبع.

في الحقيقة، ليس من الضروري أن يكون المرء اختصاصياً في علوم الدماغ حتى يدرك ليس فقط أن هذا القول خطأ لكن لا معنى له أيضاً.

ما المقصود حين يتم التأكيد بأننا لا نستخدم سوى 10% من دماغنا؟ هل المعنى أننا لا نستخدم سوى 10% من خلايانا العصبية في وقت واحد؟ أو 10% من خلايانا على امتداد حياتنا؟ أو ربما وجب أن نفهم أن فقط عشر مناطق دماغنا ناشط، أهو طوال حياتنا أو في لحظة معينة؟ علماً أنه حين تنشط منطقة من الدماغ قد يكون المعني فيها جزء ضئيل من الخلايا العصبية التي تحتوي عليها. أو، ربما كان الحديث عن جزء من ذاكرتنا التي يتم استغلالها؟

وهكذا سرعان ما نرى أن هذا القول غير قابل للتحقق منه لأننا لا نعرف علام يتحدث. فهو ليس فقط خطأ بل خطأ إلى درجة أن عكسه كذلك ليس صحيحاً، أي أنه لا معنى له.

ولكن، دعونا نتسلح ببعض المعلومات الأساسية حول عمل جهازنا العصبي من أجل أن نلقي نظرة على التفسيرات الأكثر رواجاً لهذا القول. فإذا كان صحيحاً أن «فقط 10% من خلايانا العصبية تعمل معاً في الوقت ذاته»، فهذا يعني أن من يعدنا بإمكانية استخدام الـ 90% الباقية يقدم لنا عملية تعلم من نوع خاص، أي حالة صرع! فهذا ما يجري عندما تنشط الكثير من الخلايا العصبية معاً في وقت واحد.

أما التفسير الثاني وهو «أننا لا نستخدم سوى 10% من خلايانا عموماً ولكل شيء» فهو يطرح مشكلة أخطر: فالخلايا العصبية في الدماغ والتي لا يتم استخدامها تموت أو ينتهي بها الأمر إلى القيام بمهام وظيفية أخرى. وبالتالي سنلاحظ خلال علميات التشريح بعد الموت مناطق واسعة من التدهور والانحلال الخلوي توازي 90% من حجم الدماغ غير المستعمل، وهذا غير صحيح إلا في حالات الأمراض العصبية المتقدمة جداً.

أما التفسير الثالث القائل بأننا لا نستخدم سوى 10% من مناطقنا الدماغية فيمكن أن نرد عليه بنفس الطريقة السابقة. وبالنسبة إلى التفسير الرابع، الذي يدعي أننا لا نستخدم سوى 10% من قدرات الذاكرة، فهو يطرح صعوبة خاصة قوامها أن حدود قدرة الذاكرة البشرية غير قابلة للقياس حتى اليوم، على عكس حدود قدرة الحاسوب. وهذا ما يفقد القول كل معنى فوراً.

وتجدر الإضافة، أنه من وجهة نظر التطور البيولوجي، سيكون من المضر جداً ترك جزء كبير من أي عضو من الدماغ من دون استخدام. وإذا ما وجب علينا بالفعل، وبأي شكل كان، ألا نستخدم سوى جزء منه، فإن الجنس البشري سيكون على الأرجح قد تطور نحو أدمغة أصغر وأشد فاعلية. وهذا ما كان قد ينجم عنه اقتصاد كبير في الطاقة وحظوظ بقاء أكبر لأسلافنا. وبالتالي، إن فكرة الـ 10% مجرد خرافة. لكنها، ككل الخرافات، تتضمن جزءاً من الحقيقة وهي أنه باستطاعتنا أن نحسن ونزيد أداء دماغنا بواسطة تدريب مناسب، مثلاً، حين ننظم فكرنا بطريقة أكثر منهجية، وحين نتعلم كفايات جديدة، وحين نمارس قدرتنا على حل مشكلات معقدة.

بإمكاننا كذلك أن نتأكد من وجود ثغرات في طريقة تفكيرنا للعمل على ردمها وأن نتعلم التأكد من حقيقة فرضية ما. وفي هذه الحالة، يصير دماغنا أقل عرضة لتصديق أقوال تبدو مغرية في الظاهر لكنها عرجاء تماماً في الواقع!

 

مقالات ذات صلة