8 فبراير 2021

إنعام كجه جي تكتب: كذبت المُنجّمات

صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس

صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.

إنعام كجه جي تكتب: كذبت المُنجّمات

قالت لي بإلحاح: «أرجوك خذيني إلى مدام فلانة... لقد جئت إلى هنا من أجل أن أستشيرها... ومستعدة لأن أدفع لها ما تريد». والحقيقة أنني تصوّرت فلانة طبيبة ذات مهارات علاجية خاصة. لكنني لم أسمع باسمها من قبل على الرغم من إقامتي في هذه المدينة منذ سنوات طوال.

ثم تبيّن، لدهشتي، أن المرأة المقصودة هي عرافة تقرأ الطالع. ويبدو أنها مشهورة في البلاد العربية أكثر من شهرتها في بلدها. تقصدها البنات لكي تسألن عن نوايا الحبيب، وتدسّ النساء الورقات النقدية في كفّها لكي تربط لهن الزوج فلا تزوغ عيناه خارج بيته.

حاولت أن أشرح لصديقتي أنني لا أؤمن بالمنجمين والعرافين ولا قارئات الفنجان وضاربات الودع. بل إنني اشتغلت في فترة من الفترات محررة لباب: «طالعك هذا الأسبوع» في مجلة عربية كانت تصدر من باريس. 

وطبعاً فإنني كنت أوقع الزاوية باسم مستعار، وأسترسل في اختراع تنبؤات لمواليد هذا البرج أو ذاك، مع اعتناء خاص ببرج الدلو لأنني أعرف أن شقيقتي تقرأ المجلة في بغداد وهي مولعة بمعرفة ما يخبئه لها القدر. ولهذا لم أكن أقصّر معها، من باب أن الأقرباء أولى بالمعروف، فكنت أكتب لمواليد الدلو: «هدية في طريقها إليك. الحب ينشر عطره في ديارك. مشكلة قديمة ستجد حلاً قريباً».

لم يفلح الكلام مع صديقتي. وكنت مضطرة لأن أتصل برقم مدام فلانة لمعرفة العنوان. وفوجئت بأن مواعيد العرافة مزدحمة بأكثر من مواعيد الأطباء الاختصاصيين. وبعد أخذ ورد وتوسلات وافقت على استقبالنا بعد أسبوع. وقد رافقت صديقتي باعتباري المترجمة.
دخلنا شقة في حي راق وجلسنا في غرفة انتظار خافتة الأضواء، بأثاث مذهب غال، يفوح منها عبق بخور وأزهار غريبة. ولما جاء دورنا وجدنا أمامنا سيدة متوسطة العمر، ترتدي الساري الهندي، تتوسط جبينها نقطة حمراء، ويحيط بعينيها كحل كثيف يضاعف من حدة نظراتها. وقد وقعت صديقتي تحت سطوتها من أول نظرة.

دار بين المرأتين كلام كثير وأنا الوسيطة الأمينة، تدخل العبارة من أذني اليمنى وتخرج من اليسرى. لم يكن لي شأن بما يدور أمامي ولا تخدعني أجوار السحر والساحرات. لقد كبرت على تلك الخزعبلات ولم نكن في جيلي نقرأ هاري بوتر. خرجنا من الزيارة وصديقتي تسير خفيفة وكأنها تطير. كانت واثقة من أن ريحاً آتية ستزيح همومها وتضع قدميها على كفوف الراحة. ففي نهاية المطاف، نحن نصدّق ما يعجبنا ونكذّب ما لا يرضينا.
لن أكشف لكم المبلغ الذي تقاضته العرافة الفرنسية المتنكرة في زي هندي. لكنني كنت أفكر في أنني أخطأت طريق الثروة باشتغالي في الصحافة بدل قراءة الكف. فات الأوان.

 

مقالات ذات صلة