12 يونيو 2021

د. باسمة يونس تكتب: هاوية السقوط أم الطيران

كاتبة إماراتية، دكتوراه في القيادة التربوية

كاتبة إماراتية، دكتوراه في القيادة التربوية. أصدرت (10) مجموعة قصصية، (4) روايات،(12) نص مسرحي وعدة أعمال درامية وإذاعية .حاصلة على أكثر من( 22 ) جائزة في مجالات الرواية والقصة والمسرحية.

د. باسمة يونس تكتب: هاوية السقوط أم الطيران

نتطلع جميعاً إلى التقدم التكنولوجي والذي أثبت بأنه أهم منجزات العالم في السنوات الأخيرة، ولكن هل نؤيد كل ما تبتكره لنا التكنولوجيا ونعتبره إنجازاً يستحق الإشادة به؟ هل نحن واثقون من أنها تعمل لصالح الإنسانية وتجتهد لتسهيل الحياة علينا أم أنها تسير في مدار يجعلها أشبه بمن يلف قيوداً حول عنق هذه الإنسانية قبل أن يبدأ في خنقها بلا رحمة؟

إن معظم الأخبار التي تخرج علينا بين الحين والآخر عن منجزات التقدم التكنولوجي تصدمنا بابتكارات غير متوقعة وأخرى غير معقولة. وبين المفاجئ وغير المتوقع يسير العالم نحو هاوية، قد تسقطه في حفرة أو تعلمه الطيران ليعبر إلى الضفة الأخرى.

وآخر ابتكارات التكنولوجيا، شريحة «ايلون ماسك» التي أطلق عليها اسم «نيورالينك» ويزعم بأنها ستغير المستقبل، لكنه تغيير غامض قد يتحول إلى جائحة أخرى أشد قسوة من الجوائح الصحية بكثير عندما يتمكن من استعمار الأدمغة وتقييد الأفراد من عقولهم بدلاً من احتجازهم في زنزانات.

وهذه الشريحة التي يتم تركيبها في الدماغ بواسطة روبوت، عبارة عن شريحة حاسوب بالغة الصغر، وبتقنية سبق استخدامها في التحفيز العميق للدماغ لدى مرضى «باركنسون» ولعلاج مرضى الاكتئاب ويمكنها قراءة كل ما في عقل الإنسان بعد زراعتها فيه من خلال التقاط إشارات الدماغ وإعادة ترجمتها إلى تحكم بالحركة، أي أنها قراءة تستدرج شرايين التحكم في الدماغ بهدف الحلول محله ولتصبح هذه الشريحة المتصلة والمتفاعلة مباشرة مع أجهزتنا الذكية قادرة على توفيق وتعايش الدماغ الإنساني مع الذكاء الاصطناعي ليقوم الأخير بجميع الوظائف التي يقوم بها الدماغ عادة مثل التفكير والتخطيط وحل المشكلات المرضية المستعصية التي تتراوح ما بين ضعف البصر والسمع والذاكرة وكل ما يؤرق العلماء اليوم من مشكلات نفسية وحالات إدمان صعبة.

ولأن التواصل المتوقع مع الشريحة سيتم من خلال الهاتف المحمول أو حتى مقود السيارة لا نعرف ما إذا كان العلماء قد فكروا ملياً فيما سيحدث أو يمكن أن يحدث لو تمكن أحد قراصنة التكنولوجيا من الدخول إلى شرائح بعض العقول للسيطرة عليها والتحكم فيها، وما الذي يمكن أن يحدث لو أصبح العقل الإنساني مباحاً لمن يعبث فيه ويحوله إلى وحش لا يمكن السيطرة عليه.

وتبدو التطورات الجديدة والتي يتم الإعلان عنها بين حين وآخر مثل تمكين حملة الشريحة من التحكم في مشاعرهم مرعبة ومخيفة، فهم سيتمكنون من إلغاء مشاعر الألم بضغطة على رقم والتخلص من الحزن في ثوان. وستحمل الشريحة خاصية للتخزين مثل تلك الموجودة في الحواسيب والهواتف الذكية، لكنها لن تخزن الصور والتسجيلات مثلهما، بل ستخزن الأحلام والذكريات وتصنفها للرجوع إليها عند الحاجة والطلب.

الأمر الجيد أنه لن يعمل على تشغيل أغنية أو فيلم للترفيه عن نفسه مستقبلا، لأنه سيكون قادراً على تشغيل ذاكرته واختيار المقاطع التي يرغب في استعادتها والتي تبعد عنه شبح الوحدة أو تعيده إلى الأوقات الجميلة التي كان يعيشها في تلك الفترة من الزمن. لكن الجانب المخيف سهولة احتلال الأدمغة بكل بساطة والسيطرة على العالم بجهاز حاسوب متناهي الصغر يديره أفراد لإخضاع البشر كما في أفلام الخيال العلمي.

 

مقالات ذات صلة