23 أغسطس 2023

إنعام كجه جي تكتب: كلمة السر

صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس

صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.

إنعام كجه جي تكتب: كلمة السر

حتى العام الماضي لم يكن موضوع الذكاء الاصطناعي يخيفني. على العكس، كنت أمتلئ شوقاً لما يمكن أن يضيفه هذا الذكاء لمواهبنا العقلية وبالتالي تحسين حياتنا وتسهيلها. لكن الذكاء الاصطناعي بات، في الآونة الأخيرة، يرعبني.

رأينا قدرته غير المحدودة على تأليف النصوص الأدبية والمقطوعات الموسيقية. إنه قادر على أن يجمع في كف واحدة بين نجيب محفوظ ومحمود درويش وبليغ حمدي. ولا تقولوا إنني أبالغ لأن هذه الفتوحات الجديدة ما زالت تحبو، أي أنها في بداياتها التجريبية. وغداً ستتطور قدراتها وترمينا جانباً، نحن الصحافيين والكتاب، مثل قشرة موز.

لا يزعجني أن تؤلف الآلة كتاباً. لكنني أجد أن من الصعب تقبل قدرتها على تقمص حنجرة كوكب الشرق أم كلثوم وتأدية الآهات مثلها تماماً، وربما أحسن منها. ستفتح السيدة فيروز التلفزيون وتجد نفسها واقفة على المسرح تغني كلاماً من تأليف وتلحين عاصي ومنصور، دون أن تكون هي نفسها قد غنته، بل لا تعرف ذلك المسرح.

إلى هنا والأمر قابل للمناقشة والاستيعاب. لكن الذكاء الاصطناعي لم يعد مؤلفاً وملحناً فحسب بل سارق لا يشق له غبار. إنه يسطو بلمحة عين على كلمة السر التي تستخدمها لفتح بريدك الإلكتروني، أو الرقم السري لبطاقة ائتمانك، وكل الأسرار التي باتت لصيقة بتعاملاتنا اليومية ووصولنا إلى حساباتنا وصفحاتنا الخاصة في وسائل التواصل.

كيف؟ لقد توصل باحثون بريطانيون إلى معرفة الأحرف أو الأرقام التي تنقر عليها في لوحة المفاتيح بمجرد سماع صوتها. إنه نظام جهنمي يجردك من خصوصياتك بكل صلافة. إن من يعرف كلمة السر لمراسلاتك في المسنجر يستطيع أن يقرأ كل مراسلاتك مع أصدقائك أو حبيبتك. كما أن من يسرق الرقم السري لبطاقة ائتمانك يمكنه أن يسحب من رصيدك ما يشاء ويقوم بتحويل مبالغ إلى حسابات أخرى. كل ذلك يجري من وراء ظهرك.

تخيل أنك تستخدم تطبيق «زوم» مثلاً للمشاركة في ندوة عبر الفيديو فإذا باللص الذي يشتغل لحساب الذكاء الاصطناعي يستولي على كلمة السر ويتسلل إلى كل ما في جهازك من ملفات ومراسلات. يقول العلماء إن هذا النظام نجح بنسبة 90 في المئة في ترجمة كلمات السر من خلال صوت النقر على لوحة المفاتيح. إن أناملك لا تجيد الهمس واللمس. لابد من تمتمة ولو خافتة تصدر عن تعاملك مع الحروف والأرقام. وهي تمتمة كافية لأن تلتقطها أذن اللص المبرمج الذكي.

في الربيع الماضي أعلن هؤلاء الباحثون أنفسهم أن الأفراد والمؤسسات تعرضوا لما مجموعه 385 ألف هجوم إلكتروني خلال عام 2022. وزادت الخسارة الناجمة عن تلك القرصنات على 2 مليار دولار. وقد سارعت المجموعة الأوروبية إلى تأسيس تجمع يضم خيرة الخبراء والمهندسين لوضع نظام مضاد للصوص الشاشات والهواتف.
نعم، يمكن للذكاء أن يكون ضاراً وشريراً.

 

مقالات ذات صلة